عند تكون في دكة الاحتياط

فاطمة عواجي
أقسى ما قد يحدث للإنسان ليس أن يُرفض، بل أن يُقبَل بنصف رغبة، وأن يبقى حاضرًا في حياة أحدهم دون أن يكون اختياره الأول؛ قريبًا بما يكفي ليُستدعى عند الحاجة، وبعيدًا بما يكفي ليُنسى حين تكتمل الصورة بغيره.
هناك دكّة احتياط لا توجد في الملاعب، بل في العلاقات.
مكانٌ يجلس فيه أشخاص طيبون طويلًا وهم يظنون أن دورهم سيأتي، وأن التأخير مجرد ظرف، وأن الغياب مؤقت، وأن البرود انشغال، وأن العودة المتكررة دليل محبة… بينما الحقيقة أحيانًا أبسط وأقسى: لقد وُضعت في مكانٍ لا يليق بك؛ خيارًا مؤجلًا، لا اختيارًا حقيقيًا.
يأتيك عندما تضيق به الطرق، ويغيب عندما تتسع أمامه الخيارات.
يتذكرك حين يحتاج حديثًا، اهتمامًا، مساندة، أو قلبًا يعرف أنه لن يرده، ثم ما إن تستقيم أيامه حتى تعود أنت إلى مقعدك المعتاد… دكّة الاحتياط.
والغريب أننا أحيانًا نساعد الآخرين على وضعنا هناك.
نبرر غيابهم، ونغفر تجاهلهم، ونستقبل عودتهم وكأن شيئًا لم يكن، ونمنحهم في كل مرة المكان ذاته في قلوبنا، بينما هم لا يمنحوننا المكان ذاته في حياتهم.
نقول: ربما ظروفه.
ربما لا يعرف التعبير.
ربما يخاف.
ربما يعود مختلفًا.
وكثرة الـ«ربما» قد تجعل الإنسان يقضي عمرًا كاملًا ينتظر مباراة لن يشارك فيها.
لا أحد يستحق أن يعيش متأهبًا لنداء شخص لا يتذكره إلا عندما يخسر خياراته الأخرى.
ولا كرامة في علاقة تجعلك طوال الوقت تسأل نفسك:
هل أنا مهم فعلًا؟
هل وجودي مرغوب؟
أم أنني مجرد شخص مضمون، يعرف الآخر أنه سيجده كلما عاد؟
الحب الحقيقي لا يضعك على الرف حتى يحتاجك.
الصداقة الحقيقية لا تستدعيك عند الفراغ فقط.
والتقدير الحقيقي لا يجعلك في سباق دائم لإثبات أنك تستحق مكانًا كان يفترض أن يُمنح لك دون منافسة.
حتى في العمل، قد تجد من يستهلك قدراتك في الظل، ثم يقدم غيرك في الواجهة. يأخذ منك الفكرة، والمساندة، والجهد، ويترك لك التصفيق للآخرين. وهنا أيضًا توجد دكّة احتياط؛ موظفون أكفاء ينتظرون فرصة يعرف الجميع أنهم يستحقونها، لكنها تذهب كل مرة إلى من كان أقرب إلى الضوء لا أكثر استحقاقًا.
لكن المشكلة ليست دائمًا في الدكّة…
المشكلة أن تبقى عليها بعد أن تعرف موقعك.
أن ترى بوضوح أنك لست الأولوية، ثم تقنع نفسك بالبقاء.
أن تعرف أنك الخيار الثاني، وتستمر في أداء دور الخيار الأول.
أن يمنحك أحدهم الفتات من حضوره، بينما تمنحه أنت كامل اهتمامك.
في مرحلة ما، لا يصبح الرحيل كبرياءً ولا عقابًا؛ يصبح احترامًا للنفس.
فبعض المقاعد لا تحتاج أن تنتظر من يطلب منك مغادرتها… يكفي أن تعرف أنها لا تليق بك.
انهض.
ليس لتثبت لأحد أنك تستطيع الرحيل، بل لتثبت لنفسك أنك لم تُخلق لتعيش بديلًا.
فالذي يعرف قيمتك لن يجعلك تنتظر دوره، والذي يريدك لن يختبر صبرك إلى ما لا نهاية، والذي يراك جزءًا حقيقيًا من حياته لن يعاملك كاحتمال يعود إليه عندما تفشل الاحتمالات الأخرى.
وأحيانًا تكون أجمل لحظة في الحكاية ليست عندما يناديك أحدهم أخيرًا من دكّة الاحتياط…
بل عندما يلتفت ليجد المقعد فارغًا، ويكتشف متأخرًا أن الشخص الذي كان يظنه خيارًا مضمونًا عرف أخيرًا أنه يستحق أن يكون اختيارًا أولًا.
لا تكن دكّة احتياط في حياة أحد، وأنت قادر أن تكون الملعب كاملًا في حياتك.



