الأرواح جنود مجندة

فاطمة عواجي
“الأرواح جنودٌ مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف.”
ليست كل العلاقات تبدأ بسبب، ولا كل المحبة تُصنع بكثرة اللقاء. هناك أشخاص، منذ اللحظة الأولى، تشعر أن قلبك يعرفهم قبل أن تنطق ألسنتهم بكلمة. لا تكلف نفسك عناء التصنع معهم، ولا تبحث عن العبارات المناسبة، فكل شيء بينكما يسير بعفوية غريبة، وكأن الأرواح كانت قد التقت في مكان لا تدركه الأبصار.
وفي المقابل، قد تبذل كل ما تستطيع لتقترب من شخص، تمنحه من وقتك، وصدقك، واهتمامك، ثم تكتشف أن المسافات بين الأرواح لا تختصرها الأيام، وأن بعض القلوب، مهما حاولت، لا تجد فيها موطنًا لك.
ولهذا لا تُرهق نفسك في مطاردة قبول أحد، ولا تحمل همّ تفسير كل نفور. فليس كل اختلاف سببه خطأ، وليس كل ابتعاد سببه تقصير. أحيانًا تكون الأرواح قد اختارت طريقًا آخر، لا عداوة فيه ولا كراهية، وإنما اختلافٌ في الطباع والمشاعر والميول.
وما أجمل أن تصادف إنسانًا يشبهك؛ يفهم صمتك قبل كلامك، ويقرأ تعبك من نبرة صوتك، ويشعر بغيابك قبل أن تخبره، ويمنحك الطمأنينة دون أن يعدك بها. هؤلاء نعمة لا تُقاس بعدد السنين، بل بصدق الأثر الذي يتركونه في القلب.
وفي الحياة ستلتقي بمن يمرون مرور العابرين، وستلتقي بمن يتركون في روحك أثرًا لا يمحوه الزمن. الأولون يعلّمونك الدروس، والآخرون يعلّمونك معنى السكينة. فلا تحزن على من لم تنسجم معه روحك، ولا تفرّط بمن وجدت معه نفسك دون تكلّف.
فالقلوب ليست ساحات للمنافسة، ولا الأرواح تُجبر على المحبة. إنما هي أقدار يكتبها الله، يقرّب بها من يشاء، ويباعد بها من يشاء، لحكمة قد ندركها يومًا، وقد تبقى سرًا من أسراره.
لذلك، إذا وجدت روحًا تألف روحك، فتمسك بها بلطف، واحفظ الود، وقدّر وجودها، فإن الألفة الصادقة أصبحت في هذا الزمن من أثمن النعم، ولا يعرف قيمتها إلا من أنهكته العلاقات المتكلفة.
فالأرواح لا تخطئ طريقها… إنما تستقر حيث تجد الطمأنينة، وتبتعد حيث يغيب السلام.



