Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

حين كانت الثقافة تصنع الإنسان..مالذي تغير؟

فاطمة عواجي

فاطمة عواجي

ليس كل تقدمٍ يعني أننا أصبحنا أكثر ثقافة، وليس كل ما هو قديم يعني أنه أفضل. فالحياة لا تُقاس بعمر الزمن، وإنما بما يبقى في الإنسان من قيم، وما يحمله من وعي، وما يتركه من أثر.
لقد تغيّر العالم كثيرًا، وتغيّرنا معه، لكن السؤال الذي يستحق أن نقف عنده طويلًا هو: هل تطورت ثقافتنا فعلًا، أم أننا استبدلنا عمق الفكر بسرعة الوصول إلى المعلومة؟
في الماضي، لم تكن البيوت واسعة، لكنها كانت تتسع للقلوب. لم تكن وسائل التواصل موجودة، لكن التواصل الحقيقي كان حاضرًا في كل بيت. كانت المجالس عامرة بالوجوه، لا بالشاشات، وبالحوار، لا بالإشعارات، وبالإنسان، لا بالأجهزة.
كانت الثقافة تبدأ من البيت، حيث الأب مدرسة، والأم جامعة، والجد تاريخٌ يمشي على الأرض، والجدة مكتبةٌ تحفظ ذاكرة المكان والإنسان. كنا نجلس حولهم لا لأننا مجبرون، بل لأن حديثهم كان يملأ أرواحنا قبل آذاننا.
كانت حكايات الأجداد أكثر من مجرد قصص تُروى قبل النوم؛ كانت تربيةً تُغرس، وحكمةً تُورث، وتجارب تختصر أعمارًا كاملة. كنا نتسابق إلى سماعها، ونحفظ تفاصيلها، ونعيش أبطالها، فنتعلم منها الشجاعة، والوفاء، والصبر، وحسن الجوار، وبر الوالدين، وصلة الرحم، دون أن نشعر أننا نتلقى درسًا في الأخلاق.
أما اليوم… فقد اختفت تلك الحكايات، واختفت معها جلساتٌ كانت تصنع ذاكرة الأسرة. لم تعد البيوت تجتمع حول كبير العائلة، بل اجتمع كل فرد حول شاشة يحملها بين يديه. أصبح لكل واحدٍ عالمه الخاص، حتى وإن جلس الجميع في المكان نفسه.
لقد تراجعت التجمعات العائلية التي كانت تملأ البيوت دفئًا، وأصبحت اللقاءات مختصرة، بينما امتدت ساعات طويلة أمام الشاشات. صرنا نستمع إلى التسجيلات الصوتية أكثر مما ننظر إلى وجوه من نحب، وغابت لغة العيون التي كانت تقول ما تعجز عنه الكلمات، واختفى ذلك الشعور الجميل الذي لا تمنحه الرسائل مهما طالت.
وما يؤلم أكثر، أن القيم التي كانت تنمو في تلك المجالس بدأت تضعف شيئًا فشيئًا. فاحترام الكبير، وآداب الحوار، وحسن الإصغاء، والرحمة، والتسامح، وصلة الرحم… كلها كانت تُكتسب بالمخالطة والمعايشة، لا بالمواعظ وحدها. وحين غابت المجالس، غابت معها مدارسٌ تربوية لم يكن لها بديل.
ثم جاء العصر الرقمي، يحمل معه ثورةً معرفية غير مسبوقة. أصبحت المعلومة في متناول الجميع، وصار الوصول إلى أرقى الجامعات والمكتبات العالمية لا يحتاج إلا إلى شاشة صغيرة. إنها فرصة تاريخية لم يحظَ بها من سبقونا.
لكن المؤلم أننا في كثير من الأحيان لم نواكب هذا العصر بثقافة تليق بما أتاحه لنا. امتلكنا التقنية، لكننا لم نمتلك دائمًا ثقافة استخدامها. جعلناها مساحة للحوارات الصوتية الطويلة، والألعاب التي تلتهم الساعات، والمقاطع العابرة، والخلافات العقيمة، بينما كان يمكن أن تكون مصنعًا للعلم، والإبداع، والابتكار، وصناعة المستقبل.
إن التقنية ليست خصمًا للإنسان، بل هي أعظم اختراعٍ بين يديه، لكنها تشبه السكين؛ قد تُعد بها طعامًا يُحيي أسرة، وقد تُسيء استخدامها. ليست المشكلة في الهاتف، ولا في الإنترنت، ولا في الذكاء الاصطناعي، بل في الإنسان الذي يقرر كيف يستخدمها.
لقد فهمت شعوب كثيرة أن التقنية ليست للترفيه وحده، بل لبناء الاقتصاد، وتطوير التعليم، وصناعة المعرفة، وتنمية الإنسان. أما نحن، فما زلنا في أحيان كثيرة نستهلك أكثر مما ننتج، ونشاهد أكثر مما نقرأ، ونتحدث أكثر مما نتعلم.
وليس المقصود أن نعود إلى الماضي ونغلق أبواب المستقبل، فذلك مستحيل، كما أنه ليس مطلوبًا. فالماضي لم يكن كاملًا، والحاضر ليس سيئًا كله. وإنما المطلوب أن نحمل معنا أجمل ما تركه لنا الأمس، ونحن نعبر إلى الغد.
أن نحافظ على دفء الأسرة ونحن نعيش في عالم رقمي.
أن تبقى المجالس عامرة بالأحاديث الصادقة، لا بالصمت الذي تفرضه الشاشات.
أن يعود الأطفال لسماع قصة من جدتهم، كما يسمعون قصة من أجهزتهم.
أن نستخدم التقنية لنقرأ كتابًا، أو نتعلم مهارة، أو نبني مشروعًا، لا أن تكون مجرد وسيلة لقتل الوقت.
فالأمم لا تنهض بكثرة ما تملك من أجهزة، وإنما بكثرة ما تملك من إنسان واعٍ يعرف كيف يستخدمها. والحضارة لا تُقاس بسرعة الإنترنت، بل بسرعة انتشار الأخلاق، ولا بعدد التطبيقات، بل بعدد القلوب التي ما زالت تعرف معنى الوفاء، والرحمة، والاحترام، والصدق.
وفي النهاية…
لن يسألنا أبناؤنا يومًا كم كان هاتفنا متطورًا، ولا كم تطبيقًا استخدمنا، بل سيتذكرون إن كنا جلسنا معهم، وإن كنا استمعنا إليهم، وإن كنا أورثناهم القيم كما أورثناهم الحياة.
فاحرصوا أن تتركوا لهم ذاكرةً أجمل من ذاكرة الهاتف، وحديثًا أدفأ من الرسائل، ومجالسَ عامرةً بالمحبة، وحكاياتٍ يروونها لأبنائهم كما روى لنا أجدادنا حكاياتهم.
فالثقافة ليست أن نعيش زمنًا متقدمًا… بل أن نبقى بشرًا، مهما تقدّم الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى