المقالات

ليس من ثوبي .. عن اختلاف “البيئة” لا الفوقية والمقامات

سعود بن عبدالكريم سليهم

سعود بن عبدالكريم سليهم

في مجالسنا وحواراتنا اليومية، تتردد أحياناً عبارات نطلقها بعفوية، لكنها قد تسقط في مسامع الآخرين محملةً بتأويلات لم نكن نقصدها. من أبرز هذه العبارات جملة: “فلان ليس من ثوبي”، أو “فلانة ليست من ثوبي”.

للوهلة الأولى، قد يتبادر إلى ذهن القارئ أو المستمع أن خلف هذه الكلمة نبرة استعلاء، أو تصنيف طبقي، أو تقليل من شأن الآخر. لكن الواقع، ومنظور الوعي الاجتماعي، يكشفان عن بعدٍ آخر تماماً؛ بعدٍ يتصل بنقاء الفكرة وعمق التربية، بعيداً كل البعد عن الفوقية.

إن القيمة الإنسانية لكل فرد هي قاسم مشترك ثابت، والاحترام حق مكفول للجميع دون قيد أو شرط. وحين نستخدم هذا الوصف في سياق العلاقات، فالقصد الحقيقي والعلمي له هو “بيئة النشأة”، وليس “ميزان القيمة”.

البيئة التي ينشأ فيها الإنسان هي المطبخ الأول لأفكاره، وقناعاته، وردود أفعاله. هي الرحم الثقافي والاجتماعي الذي يشكل نمط حياته اليومي، ويحدد طريقة رؤيته للعالم من حوله؛ كيف يحزن، وكيف يفرح، وكيف يعبر عن انفعالاته.

وعندما نلتقي بأشخاص عاشوا في بيئات تختلف جذرياً عن بيئاتنا، فمن الطبيعي جداً ألا تتطابق “كيمياء التواصل” بيننا. هذا الاختلاف لا يعني أبداً أن هناك طرفاً على صواب والآخر على خطأ، أو أن هناك من هو أفضل أو أدنى، بل يعني ببساطة: أننا مختلفان.

هذا التباين البيئي ينعكس بشكل مباشر على أدق تفاصيل السلوك اليومي. فقد تكون ردة فعلك تجاه موقف معين متزنة وهادئة لأن بيئتك عودتك على ذلك، بينما تكون ردة فعل الطرف الآخر حماسية أو حادة لأن ظروف نشأته شكلته بهذا الأسلوب. حتى الاهتمامات المشتركة، ونظرتنا للأولويات، تتأثر بعمق بجذورنا.

بناءً على ذلك، فإن عبارة “ليس من ثوبي” هي في حقيقتها توصيف واعٍ لـ “حالة عدم تطابق في الترددات النفسية والفكرية”. هي اعتراف شجاع بأن تفاصيلنا لا تتشابك بسلاسة، وأن خطوط حياتنا لا تسير في ذات الاتجاه. إنه قرار ذكي ووقائي لتجنب الصدامات المستقبلية الناتجة عن سوء الفهم المستمر لردود الأفعال، وليس حكماً بـ “أفضل أو أسوأ”.

الرقي الإنساني الحقيقي يكمن في أن نتقبل هذا الاختلاف دون أن نحوله إلى خلاف. أن نستوعب أن عدم قدرتنا على الانسجام التام مع شخص ما، لا تعني مطلقاً رغبتنا في تهميشه أو الانتقاص من قدره.

الفكرة تتلخص في أنني أحترم “ثوبك”، وأقدر تفاصيله، وأرى جماله في سياقه الذي نبت منه.. لكنني، وبكل بساطة، أرتدي ثوباً آخر نُسج من خيوط بيئة مختلفة.

إن الوعي بهذه المساحات الفاصلة يحمينا من إطلاق الأحكام الظالمة، ويمنحنا القدرة على إدارة علاقاتنا بذكاء عاطفي ونضج اجتماعي. نحن لا نبتعد كبراً أو كرهاً، بل نبتعد احتراماً لاختلاف الطباع، وبحثاً عن مساحات تشبهنا وتناسب سلامنا الداخلي.

فالبيوت تُبنى على أسس مختلفة، والنفوس تتآلف بمدى تقارب الأفكار والنشأة؛ فلنبحث عمن يشبهنا في تفاصيل الروح، مع بقاء حبل الود والاحترام ممدوداً لكل من يرتدي ثوباً مختلفاً.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. صدقت كثير من العلاقات تفشل بسبب اختلاف الثوب او البيئة، الا من رحم ربي

    طرح جمييل 🙏🌸🙏

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى