الذاكرة المسكونة… حين يصبح الماضي شريكًا للحاضر

مروة نور
في أعماق كل منا مساحة خفية تسكنها مشاعر لم تُشفَ بعد، لا هي حنين ولا ندم ولا حتى ذكرى جميلة، إنها أطياف من ماضٍ غامض تعيش بين جدران ذاكرتنا، تظهر في لحظات الصمت، وتربت على أكتافنا حين نضحك لتذكرنا أن شيئًا ما ما زال هنا، لم يُنسَ ولن يُنسى.
نجد أنفسنا أحيانًا معلقين بين ما لا نحب أن يحدث وما لا يحدث ما نحب، عالقون في قصة لم تُكتب نهايتها بعد، نحب الصفحات الماضية من حياتنا لكننا نخشى تقليب الباقي، نشعر بأن القادم لا يروق لنا، وفي كلا الحالين يسكننا شعور بالهزيمة.
ما هذا الذي يسكننا؟
في علم النفس تُعرف الصدمة النفسية بأنها استجابة لحدث تجاوز قدرة الفرد على التحمل، كفقدٍ أو خيانة أو حادث أو كلمة جارحة أو موقف هز أمانه الداخلي، تترك الصدمة ندوبًا لا تُرى بالعين لكنها تؤلم بعمق.
قد تظهر الصدمة في صور مختلفة، فمن الناس من يتجنب الذكرى أو كل ما يذكره بها، ومنهم من ينفصل عن مشاعره كأنه يشاهد حياته من بعيد، وآخرون يعيدون السيناريو ذاته دون وعي في محاولة لإصلاح ما فُقد، بينما يستمر الجرح في الاتساع.
أما الشفاء فيبدأ حين نواجه أنفسنا بصدق، فنعترف بأننا نتألم وأن ما نشعر به ليس طيفًا عابرًا بل جرحًا حيًا يتكرر، ثم نحاول أن نفهم ما الذي أثر فينا وكيف تغيرنا بعد ما حدث، ونتقبل ما جرى لا استسلامًا له بل إدراكًا أنه أصبح جزءًا من حكايتنا، جزءًا لا يمكن محوه لكنه لا يستحق أن يقود حياتنا. بعدها نتعلم التعايش، فنبني حاضرنا دون أن نمحو ذكرياتنا، بل نفهمها ونجعل منها درسًا لا عبئًا.
ما أصابك لم يكن عبثًا، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، فما كان قد كُتب ففي كتاب الله من قبل أن تبرأ النسمة، ووقع لحكمة لا يعلمها إلا الله.
الحياة لا تنتظرك لتتصالح مع ذاتك، لكنها تمنحك الفرصة لتعيش بسلام رغم ماكان، فالذكرى لا تُمحى لكنها تُعاش، وإذا فهمناها عرفنا كيف نعيش حتى وإن كنا نسكن غرفًا مسكونة بآثار الماضي.




