حين يتحوّل الحب إلى قضية

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي
لم يبدأ أحدهم قصته وهو يتخيّل نهايتها في ممرات المحاكم…
لم يجلس عاشقان يومًا يتقاسمان الضحك، ويخططان للغد، ويتعاهدان على البقاء… وهما يضعان احتمال أن يصبحا خصمين، يتبادلان الاتهامات بدل الكلمات الدافئة.
الحب في بداياته يشبه وطنًا صغيرًا،
مليئًا بالأمان،
مزدحمًا بالوعود،
ومطمئنًا كأن العالم كله لا يقدر أن يهزه.
لكن الحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها…
أن بعض العلاقات لا تنكسر فجأة،
بل تتآكل ببطء.
خلافٌ صغير لا يُحتوى،
كلمة قاسية تُقال وقت غضب،
صمتٌ طويل بدل الاعتذار،
ثم تبدأ المسافة… تكبر… دون أن ينتبه أحد.
إلى أن يصلوا لتلك اللحظة المؤلمة:
حين يصبح الكلام محاضر،
والذكريات أدلة،
والحنين تهمة،
والود… قضية.
وهنا لا يكون الألم في النهاية فقط،
بل في التحوّل ذاته…
في أن الشخص الذي كان ملجأك،
أصبح خصمك.
في أن التفاصيل التي كانت يومًا مصدر دفء،
صارت تُستخدم ضدك.
المؤلم ليس أن الحب انتهى…
بل كيف انتهى.
كيف يتحول الاحتواء إلى قسوة،
والقرب إلى جفاء،
والصدق إلى شك.
ولذلك…
ليست كل القلوب تُؤتمن،
وليس كل العهود تُصدّق.
ليس لأن الناس سيئون،
بل لأن القلوب تتغير…
والظروف تقسو…
والمشاعر أحيانًا تخون أصحابها.
لكن رغم كل هذا…
يبقى فينا شيء نقي،
يؤمن أن الحب الحقيقي لا يُهان،
ولا يُختزل في خلاف،
ولا ينتهي في قاعة محكمة.
الحب الصادق لا يُحاكم…
بل يُصان.
أما الذي انتهى عند أبواب القضاء…
فلم يكن حبًا كما ظننّاه،
بل كان درسًا قاسيًا،
علّمنا أن لا نعطي قلوبنا كاملة…
إلا لمن يعرف كيف يحافظ عليها،
لا كيف يكسرها ثم يبرر ذلك.
وفي النهاية…
ليست المشكلة أن نحب،
بل أن نحب الشخص الخطأ بالطريقة الصحيحة.
وهنا… تكون الخسارة مضاعفة.




