ثقافة وفنون

فلسفة المسافة: كيف لا نفقد أنفسنا في الآخرين؟

الراسية الطويرقي

الراسية الطويرقي

نظن أن الاقتراب الشديد هو أمان،
وأن ذوباننا في تفاصيل من نحب هو ذروة الوفاء،
وأن إلغاء الحدود بيننا وبينهم يجعلنا روحًا واحدة لا تقبل الكسر.

نُقنع أنفسنا بأن الالتصاق الكامل هو الحماية..
نسكن في انتظارهم،
نقتبس كلماتهم،
ونجعل سعادتنا معلّقة على كلمةٍ منهم أو إيماءة.

لكن الحقيقة التي نتجاهلها دائمًا:
النجوم لا تضيء إلا لأن بينها مسافات.

القرب المفرط ليس حبًا دائمًا..
أحيانًا يكون احتراقًا بطيئًا للهوية.

أن تلغي أنا لتصبح “نحن” بالكامل،
يعني أنك تضع كل ثقلك على كاهل شخصٍ آخر،
والبشر، مهما بلغت قوتهم، يتعبون من الأحمال التي لا تخصهم.

ومع كل خيبة في توقعاتك، لا تلوم الآخر فقط..
بل تلوم الفراغ الذي تركته في نفسك
حين لم تُبقِ لك مكانًا تسكن إليه.

والاهتمام حين يفيض عن حاجته..
يتحول من اهتمام إلى حصار.

أن تسأل دائمًا،
تراقب دائمًا،
تضحي دائمًا حتى بما لا يُطلب منك..

هذا لا يجعلك غاليًا كما تظن،
بل قد يجعلك مضمونًا لدرجة الملل.

يعتاد الناس على وجودك الدائم خلف أبوابهم،
لا لأنهم لا يقدرونك..
بل لأنك لم تمنحهم فرصة ليشتاقوا إليك.

أما العطاء..
حين يكون بلا كبرياء،
بلا كفاية،
بلا وقفة مع النفس..

فهو يستنزف المنبع حتى يجف.

العطاء المستمر قد يتحول إلى واجب،
والواجب إلى ضغط،
والضغط إلى هروب..

حتى تجد نفسك وحيدًا رغم أنك أعطيت أكثر من اللازم.

المشكلة ليست في القرب..
ولا في الاهتمام..
ولا في الوفاء..

المشكلة في المكانة.

في أن تضع الآخر في مركز مجرتك،
بينما أنت مجرد كوكب يدور في فلكه.

في أن تجعل مفاتيح مزاجك في جيب غيرك.

في أن تمشي في طريقٍ طويل،
فقط لأنك تخاف أن يمشيه الآخر وحده.

الحكمة لا تقول أن تعتزل الناس..
ولا أن تبني جدرانًا من حديد..

هناك كلمة هي سر الاتزان:
المساحة.

أن تحب بقلبٍ واسع، لكن بعينٍ ترى بوضوح.

أن تكون معهم دون أن تضيع منهم.

أن تعطي من فيضك، لا من أصل عافيتك.

النضج الحقيقي..
ليس في أن تملأ حياة الآخرين،
بل في أن تكون حياتك أنت “مكتملة” بك، وهم إضافة جميلة لها.

في النهاية..
لا أحد يطالبك أن تكون بعيدًا وقاسيًا.

لكن.. تعلّم أن تكون كافيًا لنفسك أولًا.

أن تترك مسافةً بينك وبين كل شيء تحبه،
كي تراه بوضوح، وكي لا يدهسك إذا سقط.

أن تُبقي سرًا منك.. لك.

لأن أعمق خيبة
هي تلك التي تأتي من مكانٍ ظننتَ أنك تملكه..
بينما أنت لم تكن تملك فيه حتى نفسك.

الحكمة المختصرة:
من لا يحسن الوقوف وحيدًا
سيسقط دائمًا حين يتكئ على غيره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى