Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

اليوم العالمي للغة العربية: نحو معايير عالمية لجودة تعليم العربية

منى يوسف حمدان الغامدي

منى يوسف حمدان الغامدي

لم يعد اليوم العالمي للغة العربية مناسبة احتفالية رمزية فحسب، بل بات محطة فكرية استراتيجية لإعادة النظر في موقع اللغة العربية في عالم يتسم بتسارع التحولات المعرفية والرقمية. ففي ظل هيمنة الاقتصاد المعرفي والذكاء الاصطناعي، تبرز الحاجة إلى سياسات لغوية مبتكرة تعزز حضور العربية لغةً للتعليم والتواصل الحضاري، وهو ما أكده احتفاء ديسمبر 2025 بهذه المناسبة.

وفي هذا السياق، نظم مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم (UNESCO RCQE) ندوة دولية فكرية احتفائية بعنوان:

«ابتكار السياسات اللغوية وتعليم العربية عالميًا: إطلاق مقياس UNESCO RCQE لجودة تعليم العربية للناطقين بغيرها»،

مثّلت نموذجًا متقدمًا للانتقال من الخطاب الاحتفائي إلى العمل المؤسسي القائم على الجودة والمعايير.

يحمل اليوم العالمي للغة العربية دلالة تتجاوز مجرد الاعتراف الأممي بالعربية لغةً رسمية، ليؤكد دورها بوصفها لغة حضارة وقوة ناعمة ثقافية، وركيزة للتعليم الجيد المنصف والشامل، كما نص عليه الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة. فلا تعليم عالي الجودة دون لغة قادرة على نقل المعرفة، وبناء التفكير النقدي، وتحفيز الإبداع.

وقد عكست الجلسة الافتتاحية للندوة هذا التوجه بوضوح، حيث أكدت كلمات القيادات التربوية المشاركة أن مستقبل اللغة العربية مرهون بقدرتها على مواكبة التحولات الرقمية والتكنولوجية، وبناء سياسات لغوية تستجيب لمتطلبات العصر. كما شددت كلمة معالي وزير التربية الوطنية والبحث العلمي والتدريب والتكوين والإدماج المهني بجمهورية جزر القمر المتحدة على أن تطوير تعليم العربية، ولا سيما للناطقين بغيرها، يمثل مدخلًا أساسيًا لتعزيز الحوار بين الثقافات وبناء جسور التفاهم والسلام.

ويمثل إطلاق مقياس جودة تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها أبرز مخرجات هذه الندوة، إذ يُعد أول إطار معياري عالمي من نوعه يضع معايير علمية موحدة لجودة برامج تعليم العربية، ويعالج التفاوت الكبير في المناهج، وطرائق التدريس، وتأهيل المعلمين، وآليات التقويم. كما يؤسس هذا المقياس لانتقال نوعي من المبادرات الفردية إلى النظم المؤسسية المستدامة، بما يعزز موثوقية البرامج اللغوية وتنافسيتها على المستوى العالمي.

وتناولت الجلسة العلمية الأولى الأسس النظرية والمنهجية للمقياس، ومؤشرات الجودة، وآليات التطبيق، وربطها بحقائب بناء القدرات التي صممها المركز لدعم المؤسسات التعليمية والدول الراغبة في تطوير برامج تعليم العربية وفق معايير معتمدة قائمة على الأدلة.

كما ناقشت الندوة، عبر جلساتها اللاحقة، قضايا محورية تتصل بمستقبل اللغة العربية، من أبرزها علاقتها بالذكاء الاصطناعي، وتطوير المحتوى العربي الرقمي، والسياسات اللغوية المبتكرة، والشمولية اللغوية، وتمكين غير الناطقين بالعربية في التعليم المدرسي والجامعي. وأكدت المداخلات أن الاستثمار في التقنية والمحتوى الرقمي لم يعد خيارًا ترفيًا، بل شرطًا أساسيًا لبقاء العربية فاعلة في الفضاء المعرفي العالمي.

وتكشف هذه الندوة أن حماية اللغة العربية لم تعد تتحقق بالشعارات أو الخطاب العاطفي، بل عبر منظومات جودة، ومعايير تقويم، وسياسات تعليمية مبتكرة، وشراكات دولية فاعلة. كما يبرز الدور الذي يضطلع به مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميز في التعليم، بقيادة سعادة الدكتور عبد الرحمن المديرس، ومساعدته الدكتورة فاطمة رويس، بوصفه نموذجًا للعمل القيادي المؤسسي القائم على معايير الجودة والإتقان، والمدعوم بفريق عمل احترافي يُدار وفق أعلى المعايير.

إن الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية يجعلنا نجدد العهد بأن نعمل جاهدين ليكون مستقبل العربية مرتبطًا بمنظومات الجودة والحوكمة التعليمية وبناء القدرات البشرية.

وفي هذا اليوم، تتجدد القناعة بأن اللغة العربية قادرة على أن تكون لغة عالمية حية، متجددة، ومؤثرة، إذا ما أُحسن الاستثمار فيها علميًا ومؤسسيًا، لتظل لغة معرفة وسلام وحضارة، وجسرًا للتواصل بين الثقافات، وعنصرًا فاعلًا في بناء مستقبل لغوي أكثر شمولًا وعدالة وابتكارًا.

وحين تُدَوَّل العربية، لا نُعلّم لغة فحسب، بل نُصدّر قيمًا، ونزرع سلامًا، ونفتح للعالم نافذة على حضارة ما زالت تنبض بالحياة.

ولعل أصدق ما اختزل روح هذه الندوة عبارة توقفت عندها خلال إحدى الجلسات، ولامست شغاف القلب:

«العربية ليست لغة قوم، بل لغة قيم».

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى