حين تمشي الحياة نحوك لأنك لم تعد تمشي إليها خائفًا

فاطمة عواجي
حين تمشي الحياة نحوك لأنك لم تعد تمشي إليها خائفًا
هناك أيام نستيقظ فيها وكأننا نحمل هزيمة لم تقع بعد. نخشى مكالمة لم تأتِ، ونقلق من خبر لم يُكتب، ونفسّر الصمت على أنه ابتعاد، والتأخير على أنه خسارة، ونعيش في داخلنا عشرات النهايات المؤلمة قبل أن تبدأ الحكاية أصلًا. وما لا ننتبه إليه أن الإنسان لا يتعب دائمًا مما يحدث له، بل مما يتوقع أن يحدث.
نحن أحيانًا لا نعيش الواقع… نحن نعيش توقعاتنا عنه. فكرة صغيرة في الصباح قد تغيّر هيئة يوم كامل؛ أن تمشي وكأن هناك خبرًا جميلًا يبحث عن عنوانك، وكأن بابًا أُغلق طويلًا يستعد لأن يُفتح، وكأن الله يدبّر لك شيئًا لم تره بعد.
ليس لأن الحياة وعدتنا ألا تحزننا، ولا لأن التفاؤل تعويذة تغيّر الأقدار، بل لأن القلب حين يتوقف عن انتظار الأسوأ يرى أشياء كان الخوف يحجبها عنه. كم فرصة مرّت بجوار إنسان ولم يرها لأنه كان منشغلًا بمراقبة العقبات؟ وكم كلمة محبة لم يشعر بها لأنه كان ينتظر الخذلان؟ وكم بابًا طرقه الخير، لكنه لم يسمع الطرق لأن داخله كان ممتلئًا بضجيج القلق؟
أحيانًا يكون الفرق بين يومين متشابهين تمامًا هو الطريقة التي دخلنا بهما إليهما. هناك من يدخل يومه وهو يسأل: ما الذي سيحدث لي اليوم؟ وهناك من يدخله وهو يقول: يا رب، ماذا خبأت لي من لطفك اليوم؟ كلاهما لا يعرف الغيب، لكن أحدهما يحمل قلبًا متحفزًا للخوف، والآخر يحمل قلبًا مستعدًا لاستقبال الحياة.
وليس المقصود أن نتجاهل أحزاننا أو نكذب على أنفسنا. فهناك أوجاع لا يعالجها شعار، وخسارات لا تختفي بابتسامة، وأيام يكون مجرد عبورها انتصارًا. التفاؤل الحقيقي ليس أن تقول لمن يتألم: لا تحزن، بل أن تقول لقلبك وأنت في قلب الحزن: قد لا تكون هذه نهاية حكايتي.
إنها مساحة صغيرة نتركها للأمل بيننا وبين اليأس؛ مساحة تقول إن ما تأخر ربما يأتي في توقيته الأجمل، وإن ما فقدناه ليس بالضرورة آخر الأشياء الجميلة، وإن الطريق الذي انقطع قد يكون قد أنقذنا من وجهة لم تكن لنا، وإن الحياة مهما ضاقت لا تكشف أوراقها كلها في يوم واحد.
كم مرة ظننا أن أمرًا ما هو النهاية، ثم مرت السنوات واكتشفنا أنه كان بداية؟ كم بابًا بكينا خلفه، ثم حمدنا الله لاحقًا أنه لم يُفتح؟ وكم أمنية لم تتحقق بالصورة التي أردناها، لكنها عادت إلينا بثوب أجمل مما تخيلنا؟
لهذا لا تجعل التجربة القديمة تكتب نتيجة التجربة القادمة. من خذلك مرة لا يعني أن الجميع سيخذلونك، ومن أغلق بابًا لا يعني أن الأبواب انتهت، ومن جعلك تشك في قيمتك لا يملك حق تحديد قيمتك إلى الأبد. بعض البشر يرحلون من حياتنا، لكن الخطأ أن نسمح لهم أن يأخذوا معهم ثقتنا بكل ما سيأتي بعدهم.
إن أخطر ما يفعله الألم أنه لا يكتفي بأن يوجعنا في اللحظة، بل يحاول إقناعنا بأن كل لحظة قادمة ستشبهه. وهنا تبدأ المقاومة الحقيقية؛ أن تقول له: لا. ليس كل غياب هجرًا، ولا كل تأخير حرمانًا، ولا كل سقوط نهاية، ولا كل خسارة عقوبة، ولا كل طريق مجهول مخيفًا. ربما بعض المجهول رحمة لم نصل إليها بعد.
والغريب أن الإنسان عندما يتوقع الخير لا تتغير الدنيا فجأة، لكنه هو الذي يتغير داخلها. يصبح أكثر انتباهًا للفرص، أهدأ أمام العقبات، أقل اندفاعًا في تفسير المواقف، وأقدر على البدء من جديد. يرى نافذة حيث كان يرى جدارًا، ومحاولة حيث كان يرى فشلًا، ودرسًا حيث كان يرى جرحًا فقط.
فالتوقع الجميل لا يصنع المعجزات وحده، لكنه يصنع إنسانًا أكثر استعدادًا لها. ومع ذلك، أجمل أنواع التفاؤل ليس ذلك الذي نعلقه على الناس أو الظروف، بل ذلك الذي نعلقه بالله؛ أن تعرف أن هناك أشياء لا تفهم حكمتها الآن، ومع ذلك يطمئن قلبك لأن مدبرها أرحم بك منك.
أن تقول في أشد لحظات الحيرة: لا أعلم ماذا سيحدث، لكنني أعلم مَن بيده ما سيحدث. تلك الطمأنينة لا تعني أنك لن تبكي، بل تعني أن دمعتك لن تكون إعلان استسلام. ولا تعني أنك لن تخاف، بل أنك لن تجعل الخوف قائدًا لحياتك.
وغدًا حين تستيقظ، لا تفتّش فورًا عما ينقصك، ولا تبدأ صباحك بعدّ الخيبات القديمة، ولا تفتح دفاتر من رحلوا، ولا تمنح أول دقيقة في يوم جديد لشيء انتهى بالأمس. انهض وكأن للحياة موعدًا جميلًا معك، ورتّب قلبك كما لو أنك ستستقبل ضيفًا عزيزًا، وافتح نافذتك على الاحتمالات الجميلة.
ليس غرورًا بأن الدنيا ستعطيك كل ما تريد، ولكن إيمانًا بأنك مهما لم تحصل على ما تريد، ما زال في العمر شيء يستحق أن تنتظره. فقد لا يأتي الخبر الجميل اليوم، وقد يتأخر الطريق الذي تتمناه، وقد تخذلك بعض الأمنيات؛ لكن لا تسمح لما لم يحدث بعد أن يسرق منك حياتك قبل أن تعيشها.
عِش وكأن الخير ممكن، واسعَ وكأنه قريب، وادعُ وكأنه في الطريق… ثم اترك لله اختيار الصورة والوقت والطريقة.
فربما كان أجمل ما ينتظرك الآن خلف يوم عادي جدًا، وربما كنت أقرب إلى الفرج في اللحظة التي كدت فيها أن تتوقف عن انتظاره.
وأحيانًا، كل ما يحتاجه القدر منا أن يجدنا حين يصل… واقفين، لا منهزمين.



