ليلتان من الكوميديا.. حين يصبح الضحك جزءًا من المشهد الثقافي

سلمى المشعل
ليلتان من العروض الكوميدية، في مدينتين مختلفتين، كانتا كفيلتين بأن تجعلاني أنظر إلى الضحك من زاوية مختلفة؛ دخلت المسرحين وأنا أعرف أنني سأضحك، لكنني خرجت وأنا أكتشف أن ما يحدث على خشبة المسرح أكبر من مجرد ضحكة عابرة. هناك فن يُكتب، وحضور يُصنع، وتجربة تُبنى، وجمهور يشارك في صناعة اللحظة.
وهنا بدأت الحكاية…
كنت أظن أنني سأقضي ليلتين جميلتين، أستمتع فيهما بالكوميديا وأعود ببساطة إلى يومي. لكن يبدو أن الكوميديين لم يتركوا لي هذا الخيار!
فبين ضحكة وأخرى، وجدتني أتساءل: متى أصبحت الكوميديا جزءًا من المشهد الثقافي والترفيهي الذي يستحق أن نتوقف عنده وندعمه؟
ويبدو أن الإجابة كانت على خشبة المسرح… وبين الجمهور… وربما في عضلات وجهي التي بدأت منذ الليلة الأولى تفكر جديًا في تقديم شكوى رسمية بسبب إرهاق العمل.
كانت البداية مساء الجمعة، 21 أغسطس 2026، في مدينة جدة، وتحديدًا في ستوري تيلرز، حيث عشنا ليلة كوميدية جميلة جمعت عددًا من الأسماء المميزة في عالم الستاند أب كوميدي.
وكان من نجوم تلك الليلة المتألق شاكر الشريف، والكوميديانة سفانة محمد، إلى جانب غازي بن بندر، وإبراهيم الصيعري، وسعد العاقل.
كل واحد منهم جاء بطريقته الخاصة وبأسلوبه المختلف، لكنهم اجتمعوا على شيء واحد: أن يجعلوا الجمهور ينسى، ولو لساعات قليلة، كل ما كان يحمله معه من مشاغل الأسبوع.
وهذا في حد ذاته إنجاز.
فالناس عادةً تحتاج إلى إجازة حتى تنسى ضغط الأسبوع، وهؤلاء قرروا اختصار الطريق… ووضعوا المايكروفون في المنتصف.
كانت التفاصيل الصغيرة هي بطلة المشهد؛ موقف عابر، ملاحظة يومية، تجربة شخصية، أو حتى شيء نمر به جميعًا ونعتبره عاديًا… حتى يأتي الكوميديان ويضعه أمامنا بطريقة مختلفة، فنكتشف فجأة أن حياتنا مليئة بالمواقف الكوميدية، لكننا للأسف نعيشها بلا جمهور!
أما الجمهور، فكان شريكًا حقيقيًا في هذه الليلة.
ضحكنا كثيرًا.
حتى إنني بدأت أشك أن عضلات وجهي سترفع عليّ قضية إرهاق وظيفي من كثرة ما عملت تلك الليلة.
وفي اليوم التالي، السبت 22 أغسطس 2026، انتقلت الحكاية إلى مكة، وتحديدًا إلى تراكس بولينج العوالي.
وهنا كان الموعد مع ليلة أخرى مختلفة في تفاصيلها، لكنها متشابهة في قدرتها على صناعة الفرح.
تألق فيها الكوميديان المعروف أحمد زيدان، وكان أبو الرجال نجم الليلة، إلى جانب أنس إبراهيم، وأحمد الجفري، وأحمد مسلم، وعبد العزيز زاهر.
وبصراحة…
بعد ليلتين متتاليتين، بدأت أشعر أن المشكلة لم تعد في الكوميديين.
المشكلة فينا نحن الجمهور… لأننا أصبحنا نريد المزيد!
وهنا تحديدًا توقفت قليلًا عند سؤال أكبر من الضحكة نفسها:
لماذا ننظر أحيانًا إلى الكوميديا على أنها مجرد ترفيه، بينما هي في حقيقتها أحد الألوان المهمة في المشهد الثقافي والترفيهي؟
فالستاند أب كوميدي ليس مجرد شخص يقف على المسرح ويحاول أن يقول شيئًا مضحكًا.
خلف الدقائق التي نراها على المسرح كتابة وتجربة وملاحظة وجرأة وتوقيت وحضور، وقدرة على تحويل التفاصيل اليومية إلى مادة فنية يتفاعل معها الجمهور في اللحظة نفسها.
والكوميديان الجيد لا يضحكك فقط؛ بل يجعلك ترى موقفًا تعرفه بطريقة مختلفة.
قد يروي تجربة شخصية فنكتشف أنها تشبهنا، أو يتحدث عن موقف اجتماعي فنضحك لأننا مررنا به. وقد يقول جملة قصيرة جدًا، لكنها تصيب الهدف بدقة تجعل القاعة كلها تنفجر بالضحك… بينما هو واقف على المسرح بكل هدوء وكأنه لم يفعل شيئًا!
وهذه هي موهبته: أن يجعل الضحكة تبدو سهلة، بينما وراءها الكثير من العمل.
لذلك، فإن دعم الكوميديا لا يعني فقط أن نصفق بعد النكتة الأخيرة؛ بل يبدأ من حضور العروض، وشراء التذاكر، وتشجيع المواهب، ومشاركة التجربة، ودعم المسارح والمنظمين الذين يفتحون أبوابهم أمام هذه الطاقات.
فالفنان لا يصنع المشهد وحده؛ هناك مسرح يحتضنه، ومنظم يؤمن به، وجمهور يمنحه طاقته، وجهات تتيح له الفرصة، ومجتمع يقول له:
استمر… نحن نريد أن نراك ونسمعك ونضحك معك.
والجميل أن هذا الفن لا يطلب منا الكثير:
فقط اجلس.
استمع.
اضحك.
صفّق.
وادعم.
أما إذا بالغت في الضحك، فهذه مسؤوليتك الشخصية أمام عضلات وجهك!
وفي النهاية، ربما كان أجمل ما خرجت به من ليلتي الجمعة والسبت أن الضحك ليس أمرًا هامشيًا في حياتنا.
نحن نحتاج إلى الفن الذي يجعلنا نفكر ونتأمل، لكننا نحتاج أيضًا إلى الفن الذي يقول لنا:
اهدأ قليلًا… واضحك.
كل التحية والتقدير لكل من كان جزءًا من هاتين الليلتين؛ للكوميديين شاكر الشريف، سفانة محمد، غازي بن بندر، إبراهيم الصيعري، سعد العاقل، أحمد زيدان، أبو الرجال، أنس إبراهيم، أحمد الجفري، أحمد مسلم، وعبد العزيز زاهر، ولكل من يقف خلف هذه العروض من منظّمين ومسارح وداعمين.
شكرًا لأنكم لم تقدموا لنا ساعتين من الضحك فقط، بل منحتمونا مساحة نخفف فيها ثقل الأيام، ونستعيد شيئًا من خفة الروح.










مقال جمييييل جداً ورائع. شكراً للكلمات المعبرة عن الكوميديا كفن ثقافي.