من ذكراهم

في طي النسيان.. رائد الفضاء الذي غادر الاتحاد السوفيتي وعاد إلى عالم لم يعد فيه وطنه

رنا الجديبي

رنا الجديبي

تخيّل أن تغادر الأرض وفي جواز التاريخ دولة اسمها «الاتحاد السوفيتي»، ثم تعود بعد أشهر طويلة لتكتشف أن الدولة التي أرسلتك إلى الفضاء لم تعد موجودة على الخريطة.

ليست حبكة لفيلم خيال علمي، بل واحدة من أغرب المفارقات في تاريخ استكشاف الفضاء، عاشها رائد الفضاء سيرغي كريكاليف على متن محطة «مير» بين عامي 1991 و1992.

رحلة بدأت في الاتحاد السوفيتي

انطلق كريكاليف إلى محطة «مير» على متن المركبة «سويوز TM-12» في 19 مايو 1991، بصفته مهندس الرحلة، برفقة قائد المهمة أناتولي أرتسيبارسكي ورائدة الفضاء البريطانية هيلين شارمان.

وبعد عودة شارمان إلى الأرض، واصل كريكاليف وأرتسيبارسكي العمل على متن المحطة، ونفذا خلال الصيف سلسلة من المهمات العلمية وأعمال الصيانة والسير في الفضاء.

لكن الرحلة التي بدأت في ظل دولة عظمى سرعان ما أصبحت شاهدة على واحدة من أكبر التحولات السياسية في القرن العشرين.

تمديد المهمة

خلافًا للرواية الشائعة التي تقول إن كريكاليف تُرك في الفضاء لأن الاتحاد السوفيتي لم يعد يملك المال لإعادته، تشير السجلات الرسمية إلى قصة أكثر تعقيدًا.

ففي يوليو 1991، وافق كريكاليف على تمديد إقامته في «مير» ليواصل العمل مهندسًا للرحلة مع الطاقم التالي، بعد تقليص رحلتين كانتا مقررتين إلى رحلة واحدة.

وفي أكتوبر وصل رائد الفضاء ألكسندر فولكوف إلى المحطة، وبقي مع كريكاليف، بينما عاد أفراد آخرون من الطاقم إلى الأرض.

لم يكن كريكاليف إذن «سجينًا في الفضاء» بالمعنى الحرفي، لكنه وجد نفسه أمام إقامة طويلة بصورة استثنائية، فيما كانت الأرض أسفله تتغير بوتيرة تاريخية.

وطن يتفكك على بُعد مئات الكيلومترات

خلال وجود كريكاليف في المدار، شهد الاتحاد السوفيتي محاولة انقلاب في أغسطس 1991، ثم تسارعت الأحداث السياسية حتى تفكك الاتحاد في ديسمبر من العام نفسه.

ومن نافذة «مير»، كان كريكاليف يدور حول كوكب يشهد اختفاء الدولة التي انطلق منها.

مدينة لينينغراد التي عرفها تغير اسمها إلى سانت بطرسبورغ، والجمهوريات السوفيتية السابقة بدأت تتحول إلى دول مستقلة، بينما أصبحت قاعدة بايكونور الفضائية، التي انطلق منها، تقع داخل دولة كازاخستان المستقلة.

كانت المفارقة استثنائية: الرجل غادر الأرض في زمن الاتحاد السوفيتي، لكنه سيعود إليها في عالم سياسي جديد تمامًا.

عزلة من نوع آخر

الحياة على متن محطة فضائية ليست مجرد النظر إلى الأرض من النافذة.

المكان محدود، والحركة تخضع لانعدام الجاذبية، والعمل مستمر وفق جداول دقيقة، فيما تدور المحطة حول الأرض مرات عديدة كل يوم، ويتعاقب الضوء والظلام بوتيرة تختلف جذريًا عما يعرفه الإنسان على سطح الكوكب.

ولا توجد أدلة موثوقة على إصابة كريكاليف أو فولكوف بالبارانويا أو الوسواس القهري أو الانهيار النفسي، كما تروي بعض القصص المتداولة على الإنترنت.

لكن ذلك لا يقلل من استثنائية التجربة: إقامة طويلة في بيئة معزولة على بعد مئات الكيلومترات من الأرض، بالتزامن مع انهيار النظام السياسي الذي عرفه كريكاليف طوال حياته.

العودة إلى أرض مختلفة

في مارس 1992 وصلت إلى «مير» المركبة «سويوز TM-14» وعلى متنها طاقم جديد، من بينهم رائد الفضاء الألماني كلاوس ديتريش فلاده.

وفي 25 مارس 1992، عاد سيرغي كريكاليف أخيرًا إلى الأرض برفقة ألكسندر فولكوف وفلاده.

وبذلك انتهت واحدة من أكثر الرحلات غرابة في تاريخ الفضاء.

لقد أمضى كريكاليف قرابة عشرة أشهر متواصلة في المدار، بينما تغيرت الخريطة السياسية للعالم تحته.

لم يعد إلى الاتحاد السوفيتي الذي غادره، بل عاد في زمن روسيا الجديدة، وهبط على أرض كازاخستان التي أصبحت دولة مستقلة.

الحقيقة أغرب من الأسطورة

تصف بعض الروايات الشعبية كريكاليف بأنه «آخر مواطن سوفيتي» أو الرجل الذي نسيه وطنه في الفضاء.

لكن الحقيقة التاريخية أكثر دقة من تلك الصورة؛ فلم يكن رائد فضاء مهجورًا بلا وسيلة للعودة، ولم يختر البقاء لإنقاذ «مير» من السقوط، ولم تثبت الروايات الرسمية إصابته بانهيار نفسي.

ومع ذلك، تبقى قصته واحدة من أكثر حكايات الفضاء إثارة للتأمل.

فمن النادر أن يغادر إنسان وطنه لبضعة أشهر، ثم يعود ليجد أن وطنه نفسه أصبح جزءًا من التاريخ.

كريكاليف لم يسافر في الفضاء فقط.

بطريقة ما، سافر أيضًا بين عصرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى