مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم وتونس يضعان الجودة في قلب الإصلاح التربوي عبر الانطلاق التطبيقي للنموذج العربي للجودة والتميّز في التعليم

منى يوسف حمدان الغامدي
تونس – ديسمبر 2025
شهدت الجمهورية التونسية محطة تربوية بارزة مع ختام برنامج انطلاق التطبيق العملي للنموذج العربي للجودة والتميّز في التعليم وتأهيل القيادات، في إطار برنامج متكامل نفّذه مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم، بالشراكة مع وزارة التربية التونسية، وبمشاركة قيادات تربوية وخبراء من عدة دول عربية، ضمن مسار يستهدف تحويل مفاهيم الجودة من إطار مرجعي إلى ممارسة مؤسسية قابلة للقياس والاستدامة.
ويأتي هذا التطبيق في سياق وطني وإقليمي متقاطع، حيث تسعى تونس إلى ترسيخ إصلاح تربوي شامل تقوده الدولة بوصفه مشروعًا مجتمعيًا، فيما يعمل المركز على دعم الدول العربية بنماذج جودة تستند إلى الخصوصية الثقافية وتنسجم مع المرجعيات الدولية، وفي مقدمتها الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة المتعلق بالتعليم الجيد والمنصف والشامل.
مسار تدريبي متعدد المستويات
امتد البرنامج على عدة أيام، خُصص كل منها لمسار تدريبي محدد يستهدف فئات مختلفة، شملت القيادات التعليمية، وسفراء التميّز، والمقيّمين، وأعضاء اللجان، حيث انتقل التدريب تدريجيًا من المفاهيم العامة إلى التطبيقات المتقدمة.
ختام رسمي يؤكد البعد السيادي للجودة
اختُتم البرنامج، الذي استمر على مدار أربعة أيام، برعاية وحضور معالي وزير التربية بالجمهورية التونسية السيد نور الدين النوري، وبحضور المدير العام المساعد لمركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم الدكتورة فاطمة الرويس، إلى جانب قيادات من مختلف القطاعات بالجمهورية التونسية، في مشهد عكس الأهمية التي توليها الدولة التونسية لمسار الجودة في التعليم.
وتم التأكيد على أن اعتماد النموذج العربي لا يُنظر إليه كإجراء تقني أو برنامج تدريبي محدود، بل كخيار استراتيجي وسيادي يهدف إلى تحسين الأداء المؤسسي، وتطوير الممارسات التعليمية، وتعزيز الحوكمة الرشيدة في مختلف مستويات المنظومة التربوية.
وشدّد ممثلو وزارة التربية التونسية على أن مشاركة تونس في تطوير النموذج منذ مراحله الأولى تعكس التزامًا راسخًا بدعم المبادرات العربية المشتركة، وتبنّي أطر مرجعية تساعد على تشخيص الواقع التعليمي بموضوعية، وتوجيه مسارات التحسين وفق معايير واضحة.
النموذج: أداة عربية للتشخيص والتحسين
ركّزت الجلسات على إبراز النموذج العربي للجودة والتميّز في التعليم بوصفه أداة تشخيصية وتطويرية في آن واحد، تُمكّن المؤسسات التعليمية من:
- قراءة واقعها المؤسسي بدقة.
- تحديد الفجوات في الأداء.
- بناء خطط تحسين مبنية على الأدلة.
- قياس التقدّم بشكل دوري وشفاف.
كما تم التأكيد على أن النموذج لا يفرض وصفات جاهزة، بل يوفّر إطارًا مرنًا يسمح بتكييف المعايير والمؤشرات وفق الخصوصيات الوطنية، مع الحفاظ على وحدة المرجعية والمنهجية.
من الفهم إلى التمكين
تميّز البرنامج بالتركيز على الجانب التطبيقي، من خلال أنشطة تفاعلية ودراسات حالة مكّنت المشاركين من ممارسة تحليل الأداء، وبناء الأدلة، وقراءة النتائج، بما عزّز قدرتهم على استخدام النموذج داخل مؤسساتهم فورًا بعد انتهاء التدريب.
كما خُصصت جلسات لمعالجة قضايا إدارة التغيير، ومقاومة التحول، ودور القيادات في ترسيخ ثقافة الجودة، وضمان استدامة التطبيق على المدى المتوسط والبعيد.
نتائج تحليلية ورؤية مستقبلية
كشفت المخرجات التحليلية المصاحبة للبرنامج عن توافق واسع بين المشاركين حول أولويات المرحلة المقبلة، والتي تتمثل في:
- بناء القدرات القيادية والمؤسسية.
- تطوير أدوات التقييم والمتابعة.
- تعزيز الحوكمة التشاركية.
- توظيف التحول الرقمي ولوحات القيادة في اتخاذ القرار.
- تنويع مصادر الدعم والتمويل لضمان الاستدامة.
كما أظهرت النتائج طموحًا واضحًا لتوسيع نطاق التطبيق تدريجيًا، وصولًا إلى تعميم النموذج في كافة قطاعات الوزارة والمؤسسات التعليمية.
ختام يؤسس لمرحلة جديدة
اختُتمت فعاليات البرنامج بتكريم المشاركين تقديرًا لإسهاماتهم، في ختام عكس روح الشراكة والالتزام الجماعي، ورسّخ قناعة مشتركة بأن ما انطلق في تونس لا يمثّل فعالية عابرة، بل بداية لمسار إصلاحي طويل الأمد، تُبنى فيه الجودة كممارسة يومية، ويُنظر فيه إلى التعليم كرافعة أساسية للتنمية المستدامة.
ويُعد هذا التطبيق محطة نوعية في مسار تطوير التعليم العربي، ويؤكد مكانة النموذج العربي للجودة والتميّز في التعليم لمركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميّز في التعليم كمرجعية عملية قادرة على دعم الدول في بناء نظم تعليمية أكثر كفاءة وإنصافًا واستجابة لتحديات المستقبل.




