المقالات

“خُطى” .. رحلة قيمية من عراقة زمان جدي إلى أنوار المعرفة

همسة من طيبة الطيبة

بقلم د. منى يوسف الغامدي

من عبق الجوار النبوي يزهر الإبداع والفكر ، ومن فنلندا إلى طيبة الطيبة : خُطى ينسج قيم الماضي بآفاق المستقبل، حين تمشي في رحاب المدينة المنورة ، يلامس قلبك دفء لا يشبهه دفء، وسكينة تسري في الروح كنسيم العشَات القادم من سفوح أحد. هنا بجوار سيد المرسلين صلوات ربي وسلامه عليه ، تتأصل الهوية وتتجذر القيم ؛ فهذا الجوار العظيم ليس مجرد مكان نعيش فيه، بل هو أمانة كبرى ومسؤوليةتترجم في الأفعال والأخلاق. من هذا العبق النبوي الأصيل، ومن روح بنات ونساء طابة الحبيبة، ولدت فكرة استثنائية تنبض بالحياة والإبداع … إنه مشروع “خُطى”

استثمار وطني وعقل مديني يتألق في فنلندا

قصة “خطى” تبدأ من رؤية واعية وآفاق ملهمة؛ حيث استثمر الوطن ووالدها الكريم -رحمه الله- في عقل ابنة المدينة البارة سارة الخريجي حتى أصبحت الخبيرة في التعليم الفنلندي ومؤلفة كتاب ( تحسين التعليم من منظور فنلندي) وهي تعمل حاليا على المساهمة في إعادة بناء مفاهيم طلابنا لتتكامل مع رؤية 2030، وتحقيق التميز العلمي والأخلاقي للوصول إلى المعايير العالمية وإظهار المعنى الحقيقي للمواطنة الصالحة.

سارة التي انطلقت نحو فنلندا – الدولة التي تتصدر العالم في التميز التعليمي- لتخوض تجربة فريدة ترتكز على التعلم القائم على المشاريع، حيث لاتوجد فصول دراسية مغلقة للطفل ، بل ينطلق بحواسه نحو البيئة المحيطة ليكتشفها بنفسه، ويقف المعلم على الطرف الآخر ميسرا وموجها لمسارات الفضول والاكتشاف . وعدت بذاكرتي لتجربة المدارس الرائدة التي كانت محطة هامة في مسيرتي المهنية كنا ندرب المعلمات على هذه الفكرة بأن دورها ميسرة والمتعلم هو النشط الذي يبجث عن المعرفة بنفسه ويكون هو محور العملية التعليمية وكان هناك برنامج متكامل في الوزارة عن التعلم القائم على المشاريع ولكن من واقع عملي الميداني أكاد أجزم أن المشكلة ليس في الأفكار والمبادرات بل تكمن المشكلة في التطبيق وإيمان الميدان بالمضمون والمخرج التعليمي وليس توثيق العمل بشكل صوري وغير حقيقي وتجهيز ملفات.

ولروعة سارة قصة مع الشغف ونقل التجربة ، وأعملت عقلها ووظفت خبرتها لتبتكر مناهج وأفكارا خارج الصندوق ، تتناغم مع روح هويتنا السعودية ومجتمعنا ، لترى النور عبر مشروع “خطى” الثقافي التعليمي القيمي الفني التراثي.

برامج “خطى” رحلة في زوايا المعرفة والوجدان

يتفرع المشروع إلى برنامجين أساسيين، يضمان في ثناياهما مسارات وورشا تفتح أبواب الاكتشاف والدهشة:

البرنامج الأول : بناء الإنسان والهوية

– أنا ووطني : يتضمن باب “وطن” للتعرف على الفنون التراثية لأبواب المنطقة، وقراءة القصص التي ترويها عن حياة الأجداد وتطورها عبر الزمن من خلال ورش تفاعلية

– بنات وأولاد الأصول: نافذة رصينة لغرس آداب الضيافة ، وعلاقات التواصل الاجتماعي ، والقيم الأصيلة المتجذرة في وجدان أهالي المدينة .

– مساحات للتطوير: تحتضن الحرف ، والفنون الشعبية ، والأزياء والحكايات التراثية ، والمواقع التاريخية، والقيم الاجتماعية الكريمة.

البرنامج الثاني : لغات النور

– بيت الحكمة: يغذي الروح والعقل باللغة ، والفكر ، والأدب، وفن الحوار الراقي.

– الفنون الإسلامية : يغوص في الأنماط الجمالية العريقة وفنون المخطوطات البديعة.

– في ملكوت الله: يدمج العلوم الطبيعية بالتأمل الإيماني العميق في بديع خلق الله.

انطلاقة من عبق الماضي: “زمان جدي” والشراكة المجتمعية

على أرض المدينة المنورة ، وفي موقع يحمل اسم “زمان جدي” بديكوراته التي تحاكي البيوت المدينية القديمة وعراقتها، انطلقت الشراكة المجتمعية الفريدة التي يتميز بها المجتمع المدني . التقت سارة الخريجي بنخبة من أهل الإبداع والوفاء: المصممة والخبيرة في الأزياء التراثية المدينية السيدة ليلى ديولي، والمصمم والفنان المبدع والقدير صاحب البصمة المميزة في عالم الديكور السيد عدنان بخاري بمعية الشاب المهندس صلاح الزعبي وعدد من الفتيات الملهمات المبدعات في عالم الإضاءة والتصوير ليكتمل المشهد والموقع برائحة الريحان وتعتيمة أهل المدينة في استقبال الضيوف مع قطع الفخار والسجاد العتيق ليكتمل المشهد ويعود بنا إلى الماضي الجميل .

تجسد هذا الوفاء في ورشة تفاعلية حميمية جمعت الأجيال ، حيث اجتمعت الفتيات مع الأمهات والجدات وارتدين الأزياء المدينية العريقة، وتناولن ماء زمزم الممزوج بالورد المديني في طاسة ( الكولندي) المزينة بآية الكرسي والمعوذات واسم الله العظيم . وحين تذوقن ذلك الماء العذب البارد عادت بالجميع ذكريات بيت الجد والجدة وحنو يد الأم حين تناوله للصغير وقت الخوف والفزع أو الضيق ، ليستشعر القلب تلك السكينة والطمأنينة : ( ألا بذكر الله تطمئن القلوب).

مفردات متوارثة وأمانة الجوار

تحدث الجميع في تلك الأجواء الدافئة عن فنون استقبال الضيوف ، وعن توقير الكبير وإعطائه صدر المجلس، وعن آداب المجالس في عدم المقاطعة أو التقدم في الكلام أو الدخول ، واستحضرن المفردات المدينية التي تتوارثها الأجيال ككنوز معرفية لا تعوض ( آنستونا، على بيتنا نور، وزارتنا البركة ) وعندما تهطل الأمطار يهنيء الناس بعضهم فيقولون ( أنستكم الرحمة ) هذه الموروثات ليست مجرد كلمات ، بل هي هوية وطنية نعتز بها ونفتخر . ونحن نحظى بأننا أحفاد الصحابة وجوار سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، لزاما علينا أن نستشعر هذه النعمة الكبرى في كل وقت وحين. فنعمة الجوار العظيم تُشكر بالأفعال لا بالأقوال وحدها؛ بأن نبقى أوفياء لذات القيم والأخلاق التي عاش عليها الأجداد ، لنورثها بكل حب واقتدار للأحفاد. شكر خاص للسيدة الفاضلة ليلى ديولي لدعوتك الكريمة لأكون معكم أشهد بعيني واكتب بقلمي عن ليلة استثنائية في رحاب طيبة الطيبة نعزز فيها القيم ونفخر بماض عريق لنستشرف مستقبلا جميلا يليق بالوطن … في خطى ، نحفز العقول من أجل ترك بصمة حقيقية فالأجداد تركوا بصماتهم ونحن علينا واجب لنترك ما يفتخر به الأحفاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى