المقالات

المنصب عابر… والموقف باقٍ

حين يصبح الوفاء جزءًا من القيادة

د. فهد عيد الحاسري

د. فهد عيد الحاسري

ليست المناصب هي التي تصنع الرجال، ففي الحياة الوظيفية نرى من يكبر بالكرسي، ونرى من يكبر الكرسي به، وبين الاثنين مسافة لا تقيسها الرتب ولا الصلاحيات، بل تكشفها المواقف، خصوصًا حين تتبدل الأدوار ويصبح من اعتاد أن يكون حاضرًا لخدمة العمل هو من يحتاج إلى من يقف معه.

في بيئات العمل هناك موظفون لا يحتاجون إلى كثير من المتابعة، يعرفون مسؤولياتهم ويبادرون ويتحملون ويبحثون عن الحل قبل أن يرفعوا المشكلة إلى مديرهم.

وهؤلاء مكسب لأي إدارة، لكنهم قد يقعون في مفارقة غريبة وهي:

كلما ازدادت كفاءتهم قل السؤال عنهم.

فالمدير يعرف أنهم سينجزون، ويثق بأنهم سيتصرفون، ويطمئن إلى أن المهمة بين أيديهم لن تضيع. ومع الوقت قد تتحول هذه الثقة دون قصد إلى افتراض أن الموظف الكفء لا يحتاج إلى دعم أو متابعة أو حتى استجابة.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالموظف الكفء غالبًا لا يتصل بمديره في كل صغيرة وكبيرة، يحاول أولًا ويتصرف في حدود صلاحياته. ولذلك حين يتصل فقد يكون خلف اتصاله قرار يحتاج إليه أو مشكلة تتطلب تدخلًا أو مسؤولية انتهت عند حدود صلاحياته وبدأت عند صلاحية مديره.

ومن الطبيعي أن ينشغل المدير وأن يفوته اتصال وأن تتزاحم عليه المسؤوليات. لكن الفرق كبير بين انشغال عابر وبين أن يصبح عدم الرد سلوكًا متكررًا دون معاودة اتصال أو رسالة أو وسيلة بديلة للتواصل.

فالصمت المتكرر قد يقول للموظف دون أن ينطق المدير:

«ما لديك ليس أولوية»

ومع تكرار هذه الرسالة قد لا يغضب الموظف، بل قد يحدث ما هو أخطر:

أن يصمت.

تقل اتصالاته ثم اقتراحاته، وتتراجع مبادراته حتى يتحول من موظف كان يعطي أكثر مما يُطلب منه إلى موظف يؤدي فقط ما يجب عليه.

وقد تبدو الأمور في ظاهرها طبيعية، بينما تكون المؤسسة قد بدأت تخسر جزءًا من موظفها الكفء قبل أن تخسره فعليًا.

فالكفاءة لا تعني الاستغناء عن الدعم، والخبرة لا تلغي الحاجة إلى التواصل، والاستقلالية لا تعني أن يُترك الموظف وحده عندما يصل إلى حدود صلاحياته.

وقد لا يحتاج الموظف الكفء إلى كثير من وقت مديره، ربما تكفيه إجابة أو توجيه أو قرار أو حتى رسالة قصيرة:

«أنا مشغول الآن، سأعود إليك»

فالقضية ليست في المكالمة ذاتها، بل في أن يعرف الموظف أن هناك من يسمعه عندما يحتاج إليه العمل.

ثم تمر السنوات.

تتراكم الخبرات والمواقف ويقترب الموظف من نهاية مسيرته، وعندها قد لا يبحث عن ترقية ولا منصب ولا امتياز جديد، وإنما عن شيء أبسط وأبقى:

أن تخرج معه خبرته كما دخلت أعماله إلى المؤسسة.

أن يحصل على توثيق مهني صادق يحفظ المجالات التي عمل فيها والمهام التي مارسها والمسؤوليات التي تحملها، ليغادر وفي يده ما يوثق جزءًا من رحلة عمر قضاها في خدمة مؤسسته.

وقد يصل طلبه إلى مسؤول يعرف تلك المسيرة ويقر بصحة ما ورد فيها، لكنه لا يملك صلاحية اعتمادها.

وهنا يظهر أحد أدق معاني القيادة:

القيادة لا تعني تجاوز الصلاحيات، لكنها أيضًا لا تنتهي عند حدودها.

فليس من المهنية أن نطالب مسؤولًا بأن يوقع ما لا يملك صلاحية توقيعه، وليس الوفاء مبررًا لتجاوز الأنظمة.

لكن السؤال الأهم ليس:

لماذا لم توقع؟ بل:

ماذا فعلت عندما عرفت أن الطلب مشروع وأن التوقيع ليس من صلاحيتك؟

هنا يظهر الفرق بين من يرى حدود صلاحياته نهايةً للمسؤولية ومن يراها بدايةً لمسار آخر للحل.

قد لا تستطيع التوقيع، لكنك تستطيع أن تدل الموظف على صاحب الصلاحية. وقد لا تستطيع إصدار الوثيقة، لكنك تستطيع رفع طلبه إلى الجهة المختصة. وقد لا يسمح لك الإجراء باعتمادها، لكنك تستطيع أن تساعد في توثيق ما تعرفه بالطريق النظامي.

فالفرق كبير بين مسؤول يقول:

«لست مخولًا»

وآخر يقول:

«لست مخولًا، لكنني لن أتركك تبحث وحدك عمن هو مخول»

وهنا تحديدًا يكبر الإنسان على المنصب.

فالمناصب مؤقتة، والصلاحيات مهما اتسعت عابرة، والتوقيعات التي تحرك المعاملات اليوم ستنتقل غدًا إلى يد أخرى، أما المواقف فلها عمر أطول من الكراسي.

لذلك لا تجعل الموظف الذي كان حاضرًا كلما احتاجته المؤسسة يقف في آخر الطريق وحيدًا يطرق الأبواب ليثبت الأعمال التي مارسها والخبرات التي اكتسبها.

فشهادة الخبرة ليست منحة شخصية ولا خطاب مجاملة ولا مساحة للمبالغة، وإنما توثيق مهني صادق لما قام به الموظف فعلًا وفق الأنظمة والسجلات والصلاحيات المعتمدة.

والمؤسسات الناضجة لا تحفظ معاملاتها فقط، بل تحفظ ذاكرة خبراتها البشرية أيضًا.

وهنا يأتي أحد أصدق اختبارات القيادة.

من السهل أن تبحث عن الموظف الكفء عندما تحتاج منه إنجازًا عاجلًا أو حل مشكلة أو تحمل مسؤولية إضافية.

لكن القيادة تُختبر بصورة أعمق حين تنعكس الحاجة، وحين يصبح الموظف الذي كان حاضرًا لك هو من يحتاج إليك.

فهل يجد الباب الذي طالما دخله لخدمة العمل مفتوحًا له عندما يحتاج إلى حق مهني؟

وهل يجد من يقول له:

«لا أستطيع أن أفعل هذا، لكنني سأساعدك فيما أستطيع»

هذا ليس محاباة ولا مجاملة ولا تجاوزًا للنظام، بل هو الوفاء المهني في أنقى صوره:

ألا تمنح الإنسان ما ليس له، وألا تحرمه مما هو له.

فالقيادة الحقيقية ليست أن تُشعر الناس بحجم منصبك، بل أن تجعلهم يدركون قيمة الإنسان الذي يشغل ذلك المنصب.

وكم من مسؤول غادر كرسيه فغادر معه حضوره، لأن مكانته كانت مستمدة من سلطته. وكم من قائد غادر مكتبه فبقي حضوره بعد الرحيل لأن مكانته كانت في القلوب قبل أن تكون في القرارات.

وهنا يظهر الفارق بين من شغل المنصب ومن شرَّف المنصب.

الأول يُذكر ما دام توقيعه نافذًا، والثاني يبقى أثره حين لا يعود في يده توقيع ولا قرار.

ولعل أخطر ما يحدث في العلاقة بين المدير والموظف ليس اختلافًا في الرأي ولا اتصالًا لم يُجب عليه ولا طلبًا تعذر تنفيذه، فكل ذلك يمكن فهمه ومعالجته.

الأخطر أن يصل الموظف إلى مرحلة يتوقف فيها عن المحاولة.

لا يتصل ولا يقترح ولا يناقش ولا يطلب، يكتفي بأداء الحد المطلوب حتى يأتي يوم الرحيل.

فالمدير الناجح ليس مطالبًا بأن يجيب عن كل اتصال فورًا ولا أن يوافق على كل طلب ولا أن يوقع ما لا تسمح به صلاحياته.

لكنه مطالب بشيء أبقى:

ألا يترك إنسانًا خدم معه سنوات أمام باب مغلق وهو يستطيع أن يدله على الباب الصحيح.

فالمنصب سيذهب والمكتب سيشغله غيرك والصلاحيات ستنتقل وسيأتي يوم يصبح فيه القرار الذي كان ينتظر توقيعك من اختصاص شخص آخر.

وعندها لن يبقى السؤال:

ما المنصب الذي كنت تشغله؟ بل:

كيف كنت حين كنت تشغله؟

لأن الأرقام تحفظها التقارير، والقرارات تحفظها الملفات، أما الرجال فتحفظهم المواقف.

فالموظف عند نهاية مسيرته لن يحمل معه مكتبه ولا منصبه ولا صلاحياته، سيحمل اسمه وخبرته وسمعته وما تركه من أثر.

وكذلك المدير.

سيغادر يومًا الكرسي نفسه ولن يأخذ معه من سلطته شيئًا، لكنه سيترك سيرةً كتبها في ذاكرة من عملوا معه.

فالقيادة لا تقاس فقط بما يفعله الموظفون لمديرهم حين يحتاج إليهم، بل بما يفعله المدير لهم حين يحتاجون إليه.

وحين تطوى آخر صفحة من صفحات المنصب يسقط كل ما كان مؤقتًا ولا يبقى إلا السؤال الذي تختصر فيه سنوات القيادة كلها:

هل كان المنصب أكبر من صاحبه… أم كان صاحبه أكبر من المنصب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى