يبدا السلام الداخلي عندما تضع حدودا تحمي بها نفسك

فاطمة عواجي
ليس السلام الداخلي أن تصبح حياتك خالية من المشكلات، ولا أن يتوقف الآخرون عن إزعاجك، ولا أن تسير الأيام دائمًا كما تريد.
السلام الحقيقي يبدأ في اللحظة التي تدرك فيها أن بعض الفوضى التي تسكنك لم يصنعها العالم وحده، بل صنعتها أبواب تركتها مفتوحة أكثر مما ينبغي.
يبدأ السلام الداخلي عندما تضع حدودًا تحمي بها نفسك؛ عندما تعرف أن قلبك ليس مكانًا عامًا يدخله الجميع متى أرادوا، وأن وقتك ليس ملكًا لكل من طلبه، وأن طيبتك لا تعني أن تكون متاحًا دائمًا، وأن صبرك لا يمنح أحدًا الحق في استنزافك.
نحن لا نتعب دائمًا من كثرة ما يحدث لنا، بل من كثرة ما نسمح له بالبقاء فينا.
نتعب لأننا نشرح أنفسنا لمن قرر مسبقًا ألا يفهمنا، ونبرر نوايانا لمن يبحث عن خطأ، ونمنح فرصًا متكررة لمن أثبت أن الفرص عنده مجرد مواعيد جديدة للأذى.
نخشى أن نقول «لا» حتى لا نخسر أحدًا، فنقول «نعم» لأشياء كثيرة، ثم نخسر أنفسنا بالتدريج.
وهنا تبدأ الحدود.
الحدود ليست جدارًا تعزل به نفسك عن الناس، بل بابًا أنت من يملك مفتاحه.
تعرف متى تفتحه، ولمن، ومتى تغلقه دون شعور بالذنب.
أن تضع حدودًا يعني ألا تسمح لأحد أن يحادثك بطريقة تهينك بحجة القرب، وألا تقبل التجاهل بحجة الانشغال، وألا تتسامح مع التقليل منك بحجة المزاح، وألا تجعل خوفك من خسارة شخص سببًا في خسارتك لكرامتك.
هناك فرق كبير بين التسامح والسماح.
التسامح أن تنظف قلبك من ثقل الإساءة، أما السماح فهو أن تترك الباب مفتوحًا لتتكرر الإساءة نفسها.
يمكنك أن تسامح إنسانًا، وفي الوقت نفسه تقرر ألا تمنحه المساحة القديمة في حياتك.
يمكنك أن تتمنى له الخير، دون أن تعيده إلى المكان الذي أوجعك فيه.
وهذه ليست قسوة… إنها نضج.
ومن أجمل مراحل النضج أن تتوقف عن محاولة إقناع الجميع بك.
ليس ضروريًا أن يفهم كل إنسان سبب ابتعادك، ولا أن يقتنع بحدودك، ولا أن يصف قرارك بالعدل.
يكفي أنك تعرف كم دفعت من راحتك قبل أن تصل إليه.
بعض الناس سيصف حدودك بالتغير؛ لأنهم اعتادوا نسخة منك تتحمل أكثر مما يجب.
وسيصفون صمتك بالغرور؛ لأنهم اعتادوا أن تبرر.
وسيعتبرون انسحابك قسوة؛ لأنهم لم يشعروا يومًا بثمن بقائك.
لا بأس.
فليس كل من غضب من حدودك مظلومًا؛ أحيانًا يكون غاضبًا فقط لأنه لم يعد يستطيع الوصول إليك بالطريقة التي اعتادها.
السلام الداخلي لا يأتي دائمًا بإضافة أشياء جميلة إلى حياتك؛ أحيانًا يأتي بالحذف.
بحذف نقاش لا ينتهي.
وعلاقة تستنزفك.
ومقارنة تهزمك.
ومتابعة تقلقك.
وعادة تعيدك كل ليلة إلى الوجع نفسه.
وباب تعرف جيدًا أن كل مرة تفتحه يعود منه التعب.
كم من إنسان يبحث عن السلام في سفر بعيد، أو مكان هادئ، أو عزلة مؤقتة، بينما كل ما يحتاجه أن يتعلم جملة واحدة:
«هذا لا يناسبني.»
دون مرافعة طويلة.
دون خوف.
ودون أن يقدم ملفًا كاملًا من التبريرات حتى يستحق حقه في الراحة.
ليس عليك أن تخوض كل معركة تُدعى إليها، ولا أن ترد على كل كلمة، ولا أن تصحح كل فكرة قيلت عنك.
بعض الانتصارات أن تمضي.
وبعض الردود أن تصمت.
وبعض الأبواب حين تغلقها لا تكون قد خسرت من خلفها… بل أنقذت ما أمامها: نفسك.
وتذكر أن الحدود لا تعني أن تصبح باردًا أو أنانيًا؛ بل أن تظل طيبًا دون أن تكون مستباحًا، كريمًا دون أن تكون مستنزفًا، متسامحًا دون أن تكون سهل الإيذاء، ومحبًا دون أن تتنازل عن نفسك كي يحتفظ بك أحد.
فالإنسان الذي يحبك حقًا لن يحتاج إلى تحطيم حدودك حتى يشعر بقربك، ومن يحترمك لن يطلب منك أن تؤذي نفسك كي ترضيه.
وفي النهاية، قد تكتشف أن السلام الذي ظللت تبحث عنه طويلًا لم يكن في تغيير الناس من حولك، بل في تغيير المساحة التي تسمح لهم باحتلالها داخلك.
فالسلام الداخلي لا يبدأ عندما يصبح الجميع لطفاء معك، بل عندما تتوقف أنت عن منح كل شيء وكل شخص حق العبث براحتك.
ضع حدودك بهدوء، ولا تعتذر عن حماية قلبك.
أغلق ما يؤذيك، وابتعد عما يستنزفك، واترك للناس حق اختيار أفعالهم… واحتفظ لنفسك بحق اختيار المسافة.
فليست كل مسافة جفاء، وليست كل مغادرة خسارة؛ أحيانًا تكون المسافة احترامًا للنفس، ويكون الرحيل أول طريق العودة إليها.



