إدارة المخاطر المؤسسية وعلاقتها بالحوكمة في المنظمات التعليمية

منى يوسف حمدان الغامدي
في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها المنظمات المعاصرة، لم تعد الحوكمة المؤسسية خيارًا تنظيميًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان الاستدامة، وتعزيز الثقة، وتحقيق الكفاءة والشفافية. وتبرز إدارة المخاطر المؤسسية (Enterprise Risk Management – ERM) بوصفها أحد أهم الأعمدة التي تستند إليها الحوكمة الرشيدة، لما لها من دور محوري في استباق التحديات، وضبط القرارات، وحماية القيمة المؤسسية.
ويكتسب هذا الترابط أهمية مضاعفة في القطاع التعليمي؛ كونه قطاعًا ذا أثر مجتمعي عميق، ويواجه مخاطر متشابكة تتعلق بالجودة، والموارد، والتحول الرقمي، والامتثال، والاستدامة.
ومن أجل وضوح الرؤية، لا بد من تحرير المصطلح للمفهوم الحديث لإدارة المخاطر المؤسسية، والتي تُعرّف وفق إطار COSO ERM (2017) بأنها عملية منهجية ومتكاملة تقودها الإدارة العليا، وتهدف إلى تحديد المخاطر المحتملة التي قد تؤثر على تحقيق الأهداف الاستراتيجية، وإدارتها ضمن مستوى مقبول من المخاطر.
ويؤكد المفهوم الحديث أن إدارة المخاطر ليست وظيفة رقابية فقط، ولا تقتصر على تجنب المخاطر، بل هي أداة لصناعة القرار الاستراتيجي وتحقيق القيمة. وقد تطور مفهوم ERM ليصبح جزءًا لا يتجزأ من التخطيط الاستراتيجي، والحوكمة، وإدارة الأداء المؤسسي.
وتُعد الحوكمة المؤسسية الإطار الضابط لإدارة المخاطر. ووفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، تُعرّف الحوكمة بأنها مجموعة العلاقات بين مجلس الإدارة، والإدارة التنفيذية، وأصحاب المصلحة، التي يتم من خلالها توجيه المنظمة والرقابة عليها. وتُعد إدارة المخاطر أحد المكونات الجوهرية للحوكمة، حيث تمكّن مجالس الإدارة من أداء دورها الرقابي، وتضمن شفافية القرارات، وتعزز المساءلة المؤسسية، وتدعم الالتزام بالقوانين والأنظمة، كما توفر الإطار القيمي والتنظيمي الذي يضمن أن تُدار المخاطر بما يخدم المصلحة العامة ويحمي حقوق أصحاب المصلحة.
وفي القطاع التعليمي، تتعدد المخاطر بين جودة المخرجات التعليمية، وكفاءة الإنفاق، والتحول الرقمي، واستدامة الموارد البشرية، إضافة إلى مخاطر السمعة والثقة المجتمعية. وغالبًا ما لا تكون هذه المخاطر نتيجة أحداث مفاجئة، بل نتيجة غياب الرؤية الاستباقية، أو ضعف الربط بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ.
إن تبني إدارة المخاطر المؤسسية في التعليم يتيح للقيادات الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل، ومن رد الفعل إلى الفعل المبكر. كما يسهم في تعزيز نضج الحوكمة التعليمية، من خلال وضوح الصلاحيات، وتحسين جودة القرار، وربط الأداء بالمخاطر المحتملة.
وخلاصة القول، إن الاستثمار الحقيقي في التعليم لا يقتصر على المناهج أو البنية التحتية، بل يشمل بناء منظومة حوكمة واعية بالمخاطر، قادرة على حماية الرسالة التعليمية وتعظيم أثرها. فالتعليم الذي يُدار بعقلية المخاطر هو تعليم أكثر كفاءة، وأكثر ثقة، وأكثر استعدادًا للمستقبل.


