Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

بشر من هُلام

الكاتبة: مها الشعلان

الكاتبة: مها الشعلان

يحقّ لي أن أحتفي بالراحلين.

أليس من المُحزن أن يعيش الإنسان عمره كلّه دون أن يعيش فعلًا؟

بل إنني أُشفِق أشدّ الشفقة على من يعتقد أنه عاش، وهو لم يفعل.

أما التعساء الحقيقيون، فهم أولئك الذين يعيشون عالمًا مزدوجًا:

عالمًا افتراضيًا ينتمون إليه وتستقر أرواحهم فيه،

وعالمًا واقعيًا يتواجدون فيه بأجسادهم فقط، مجبرين على الحضور، بلا خيار آخر.

أيهما أشدّ تعاسة يا ترى؟

أما أنا، فلست مكترثة للتعاسة.

لا يروّضني هجر، ولا يكسرني خذلان،

حتى الفِراق… انتصرت عليه.

جميع أحبّتي المتوفين – رحمهم الله –

يعيشون معي.

في قلبي، وفي ذاكرتي التي تتغذّى على أصواتهم.

أُغذّي ذاكرتي مرارًا بملامحهم،

حتى لا أنسى يومًا كيف كانت تضحك أعينهم، وتبكي شفاههم.

أستشعر روائحهم، وأستحضر حضورهم.

طاقة مرعبة تُبذل في محاولات متكرّرة لمواساة نفسي،

ولاحتضان ذاتي في غربة الفقد.

نعم… الفقد غربة.

غربة روح، كغربة الوطن، بل أوجع.

فالوطن، رغم حنيننا إليه، نؤمن بعودتنا نحوه، ونؤمن بأنه بانتظارنا.

أما الغائبون، فيسكنوننا رغم يقيننا بأنهم ما زالوا، وسيبقون، راحلين.

وعند محطةٍ ما من محطات العمر،

عند مفترق طرق،

نُضطر إلى التخلّي… شئنا أم أبينا.

نصمت.

نبكي.

وربما نضحك في لحظات الوداع،

سعادةً وامتنانًا لجميل اللحظات،

متقبّلين هذا الفِراق.

لا تُرهق نفسك بالتذكّر، أيها القارئ.

أليس لكل مقامٍ مقال؟

فشعورنا الحقيقي في لحظات الوداع يعتمد على من ودّعناهم:

على مكانتهم في قلوبنا،

أو بقدر ما آلمونا وخذلونا،

أو بقدر ما أسعدونا وآزرونا،

وبحسب الفرق بين وجودهم… وعدمهم.

ومع مضيّ العمر،

نبدأ بنثر ملامحهم في وجوه المارّة،

في زحام الحياة.

نبحث عمّن كرهناهم لنتجنّب أقرانهم،

ونبحث عمّن أحببناهم

لنسكّن آلامنا،

وترقص أرواحنا على أنغام وهميّة،

نخدع بها أنفسنا لنشعر بذات الشعور القديم.

لكن…

للأسف،

الموسيقى سراب،

والبشر… من هُلام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى