Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

حديث عن الإدارة كما تُعاش، لا كما تُدرَّس

اعداد وحوار: محمد ابوزيد

اعداد وحوار: محمد ابوزيد

في زمنٍ تتكاثر فيه النصائح،

وتتشابه فيه الخطابات،

وتُقدَّم فيه الإدارة كحزمة جاهزة للاستهلاك…

يختار المستشار هاني الفل طريقًا أقل ازدحامًا.

لا يبيع الوهم،

ولا يَعِد بنتائج سريعة،

ولا يرى النجاح قفزةً مفاجئة.

بالنسبة له، القرار ممارسة يومية،

والإدارة سلوك قبل أن تكون علمًا،

والتطوير الذاتي رحلة لا تُختصر في دورة تدريبية.

من قاعات ورش العمل،

إلى صفحات الكتب،

ومن التجربة المهنية،

إلى شغفه بالدراجات النارية والطريق المفتوح…

يتشكّل هذا الحوار،

كوقفة تأمل مع رجل يرى أن القيادة تبدأ من الداخل،

قبل أن تظهر في العناوين.

متى أدركت أن الاستشارة ليست رأيًا يُقال، بل مسؤولية تُحمَل؟

أدركت ذلك في أول مشروع استشاري تحملت فيه تبعات القرار مع الجهة المستفيدة. حين ترى أثر توصيتك على فريق كامل، وعلى استثمار ووقت وسمعة، تدرك أن الاستشارة ليست فكرة ذكية تُقال في اجتماع، بل أمانة مهنية وأخلاقية. المستشار الحقيقي لا يبيع رأيًا، بل يتحمّل مسؤولية نتائج ما يقترحه، ويتابع التنفيذ، ويقيس الأثر، ويصحح المسار عند الحاجة. منذ تلك اللحظة تغيّر تعاملي مع كل كلمة أكتبها أو أقولها، وأصبحت أزنها بميزان الأثر لا بميزان الإعجاب.

في كتابك “حدّد مستشارك”، ما المشكلة الأعمق التي أردت لفت الانتباه إليها؟

المشكلة الأعمق هي العشوائية في طلب الاستشارة. كثير من الجهات لا تسأل: لماذا نحتاج مستشارًا فعلًا؟ وما نوع الاستشارة المطلوبة؟ في كتابي “حدّد مستشارك” ركزت على أن الاستشارة ليست اسمًا لامعًا، بل تخصص دقيق، وتوافق في القيم، وفهم عميق لاحتياج المشروع ومرحلته. أردت أن أوضح أن اختيار المستشار قرار استراتيجي يؤثر في مسار المؤسسة، وليس إجراءً شكليًا يُستكمل ضمن متطلبات إدارية.

كيف تميّز بين المستشار الذي يضيف قيمة، ومن يكتفي بالكلام الجميل؟

القيمة تُقاس بثلاثة عناصر: وضوح التشخيص، واقعية الحلول، وقابلية التنفيذ. من يكتفي بالكلام الجميل يكرر عبارات عامة تصلح لأي مشروع. أما من يضيف قيمة فيبدأ بأسئلة عميقة، ويطلب بيانات دقيقة، ويغوص في التفاصيل، ثم يقدّم توصيات مرتبطة بالواقع والموارد والزمن. الفرق الحقيقي لا يظهر في العرض التقديمي، بل في نتائج التطبيق.

كثيرون يخلطون بين الخبرة وكثرة التجارب… أين يقع الفارق الحقيقي من وجهة نظرك؟

كثرة التجارب تعني أنك مررت بمواقف عديدة، أما الخبرة فتعني أنك استخلصت منها أنماطًا ودروسًا قابلة للتطبيق. الخبرة هي القدرة على قراءة المشهد قبل اكتماله، وعلى تجنب الخطأ قبل تكراره. ليست المسألة عدد سنوات، بل عمق وعي، وقدرة على تحويل التجربة إلى معرفة عملية.

هل القرار الجيد دائمًا هو القرار الآمن؟ أم أن المخاطرة جزء لا يتجزأ من الإدارة؟

القرار الجيد ليس بالضرورة آمنًا، لكنه محسوب. الإدارة دون مخاطرة تعني جمودًا، والمخاطرة دون تحليل تعني تهورًا. القائد الواعي يوازن بين الفرصة والمخاطر، ويضع سيناريوهات بديلة، ويقبل أن النمو الحقيقي أحيانًا يحتاج إلى شجاعة مدروسة.

ورش العمل التي تقدمها لا تشبه النمط التقليدي، ما الذي تحرص على تغييره فيها؟

أحرص على تحويل المتدرب من متلقٍ سلبي إلى مشارك فاعل. أبتعد عن التلقين، وأركز على الحالات الواقعية، والنقاشات المفتوحة، وتحليل تجارب المشاركين أنفسهم. التعلم الحقيقي يحدث عندما يرى الفرد انعكاس واقعه داخل المحتوى، لا عندما يحفظ تعريفًا أكاديميًا.

كيف توازن في التدريب بين الجانب العملي، والجانب الإنساني للمشاركين؟

الإدارة ليست أرقامًا فقط، بل دوافع ومشاعر وتحديات شخصية. أوازن بين المهارات الصلبة: التخطيط، القياس، المتابعة، وبين المهارات الإنسانية: التواصل، إدارة الضغوط، فهم الفروق الفردية. عندما يشعر المشارك أن المحتوى يخاطب عقله وقلبه معًا، يتحقق الأثر الحقيقي.

من خلال خبرتك، ما الخطأ الإداري الأكثر تكرارًا في المشاريع الناشئة؟

الاندفاع دون وضوح نموذج العمل. تبدأ كثير من المشاريع بالحماس قبل دراسة السوق، وتخلط بين الفكرة الجيدة والفرصة القابلة للاستدامة. كما أن غياب مؤشرات الأداء، وضعف الإدارة المالية، وعدم الفصل المهني بين الملكية والإدارة، من الأخطاء المتكررة التي تعرقل النمو.

هل تعتقد أن القائد يُصنَع بالتجربة أم بالتعلّم؟ أم أن الأمر مزيج معقّد بين الاثنين؟

هو مزيج متكامل. التعلم يمنح الإطار النظري، والتجربة تمنح البصيرة. من يتعلم دون تطبيق يبقى في دائرة التنظير، ومن يجرّب دون تعلّم قد يكرر أخطاءه. القيادة تنضج عندما يلتقي الوعي بالممارسة المستمرة.

شغفك بالدراجات النارية لافت… ماذا تعلّمك الطريق مما لا تعلّمه القاعات؟

الطريق يعلّمك التركيز الكامل وتحمل المسؤولية الفردية. لا يمكنك قيادة دراجة وأنت مشتت. كذلك في الإدارة، القرار يحتاج حضورًا ذهنيًا كاملًا. الطريق يذكّرك بأن الاستعداد أهم من السرعة، وأن الانتباه للتفاصيل الصغيرة قد يحميك من أخطاء كبيرة.

هل القيادة على الطريق تشبه القيادة في العمل؟ وأين يختلفان؟

يتشابهان في وضوح الهدف والانتباه للمحيط واتخاذ القرار في اللحظة المناسبة. ويختلفان في أن القيادة في العمل جماعية، تقوم على تمكين الآخرين وبناء فريق متماسك، بينما الطريق مسؤولية فردية مباشرة.

كيف تؤثر العزلة المؤقتة أو السفر على وضوح قراراتك؟

العزلة تمنحني مساحة لإعادة ترتيب الأفكار بعيدًا عن الضجيج. بعض القرارات تحتاج مسافة زمنية ونفسية حتى تتضح. السفر يوسّع الأفق، ويكسر الرتابة، ويمنحني منظورًا مختلفًا يعيد التوازن إلى التفكير.

متى يكون التوقف عن مشروع أو قرار هو عين الحكمة، لا الفشل؟

عندما تثبت المؤشرات أن الاستمرار سيضاعف الخسارة، أو عندما يتغير السوق جذريًا، أو عندما يتعارض المشروع مع القيم الجوهرية للمؤسسة. الإصرار ليس فضيلة مطلقة؛ أحيانًا الشجاعة الحقيقية هي الاعتراف بأن التوقف قرار استراتيجي صحيح.

في رأيك، هل نعاني اليوم من تضخيم مفهوم “التطوير الذاتي”؟

أحيانًا يتحول إلى استهلاك محتوى تحفيزي دون تطبيق منهجي. التطوير الذاتي الحقيقي لا يُقاس بعدد الدورات، بل بالأثر السلوكي والنتائج العملية. هو عملية مستمرة من التعلم، والمراجعة، والانضباط الذاتي.

كيف تحمي نفسك كمستشار من التكرار أو التحوّل إلى نسخة نمطية؟

بالقراءة المستمرة، والاطلاع على تجارب متنوعة، والاحتكاك بقطاعات مختلفة، وإجراء تقييم ذاتي دوري. أحرص على تحديث أدواتي، وتطوير منهجيتي، والاستماع بعمق لاحتياجات كل عميل دون افتراضات مسبقة.

ما السؤال الذي يجب أن يطرحه كل صاحب مشروع قبل طلب أي استشارة؟

ما المشكلة الحقيقية التي أريد حلها؟ هل أبحث عن تأكيد لرأيي، أم عن تشخيص موضوعي حتى لو خالف توقعاتي؟ وضوح السؤال يختصر نصف الطريق نحو الحل.

هل ترى أن السوق العربي أصبح أكثر وعيًا بقيمة الاستشارة… أم ما زال في البدايات؟

هناك تطور ملحوظ ووعي متزايد، خصوصًا مع التحول المؤسسي والحوكمة في عدة قطاعات. لكن ما زال البعض ينظر إلى الاستشارة كتكلفة لا كاستثمار طويل الأمد. المرحلة القادمة تتطلب قياس الأثر بوضوح وربطه بالنتائج الاستراتيجية.

ما أكثر سوء فهم واجهته عن دور المستشار؟

أن المستشار يحل محل الإدارة. دوري ليس أن أدير بالنيابة، بل أن أساعد على رفع كفاءة الإدارة، وبناء أنظمة أفضل، وتمكين الفريق من اتخاذ قرارات أكثر وعيًا.

كيف تختار الصمت؟ ومتى تفضّل ألا تقول رأيك؟

أختار الصمت عندما لا تتوفر معلومات كافية، أو عندما يكون التوقيت غير مناسب. الرأي مسؤولية، وليس كل ما يُعرف يُقال. أحيانًا يكون الاستماع العميق أكثر تأثيرًا من أي تعليق.

بعيدًا عن الإدارة والكتب… من هو هاني الفل حين يغلق دفتر العمل؟

هو شخص يؤمن بالتوازن، يحب الطريق المفتوح، ويقدّر لحظات الهدوء مع العائلة والأصدقاء. أرى نفسي متعلّمًا دائمًا قبل أن أكون مستشارًا، وباحثًا عن المعنى في التفاصيل اليومية. القيادة بالنسبة لي ليست منصبًا، بل أسلوب حياة يبدأ من الداخل وينعكس على كل ما أقوم به.

النهاية

المستشار هاني الفل لا يقدّم نفسه كإجابة نهائية،

ولا كخبير يعرف كل شيء.

بل كرجل اختار أن يتعلّم قبل أن يُنظّر،

وأن يجرّب قبل أن يُقنع،

وأن يسير الطريق… قبل أن يرسمه للآخرين.

في عالمٍ يركض بسرعة،

يذكّرنا هذا الحوار أن القرار الجيد

لا يحتاج استعجالًا،

بل يحتاج وعيًا.

وهنا،

لا تنتهي الحكاية عند آخر سؤال،

بل تبدأ عند أول قرار يتخذه القارئ بنفسه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى