الأمن الفكري في الفضاء الرقمي وقت الأزمات

الأستاذة : منى يوسف حمدان الغامدي
في عصر التحول الرقمي المتسارع، لم تعد الأزمات تٌدار فقط في ساحات السياسة أو الاقتصاد أو الصحة، بل أصبحت تٌدار كذلك في الفضاء الرقمي، حيث تلعب مواقع التواصل الاجتماعي دوراً محورياً في تشكيل الوعي الجمعي، والتأثير في اتجاهات الشباب وسلوكهم . ومن هنا، يبرز الأمن الفكري كركيزة أساسية من ركائز الأمن الوطني الرقمي، وأحد الممكنات الرئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030. هذه الرؤية التي تؤكد على تعزيز الأمن الفكري لحماية وعي الشباب.
يعد الأمن الفكري منظومة متكاملة تهدف إلى حماية العقل من الانحراف، وصيانة للقيم الدينية والوطنية، وتعزيز التفكير المتزن القائم على الوعي والتحليل، لا على الانفعال والتلقي غير الواعي. وفي أوقات الأزمات، تتضاعف أهمية هذا المفهوم، إذ تنشط حسابات التضليل والإرجاف، وتُستغل العاطفة والخوف لنشر الشائعات وبث خطاب التطرف وزعزعة الثقة بالمؤسسات.
وتؤكد رؤية السعودية 2030 على بناء مجتمع حيوي يتمتع بالوعي والمسؤولية ، وهو مالا يتحقق دون تحصين فكري رقمي يحمي الشباب بوصفهم الثروة الوطنية الأكبر من الاستهداف الفكري عبر المنصات الرقمية.
في مواقع التواصل الاجتماعي ساحة للأمن الوطني الرقمي؛ حيث أصبح الفضاء الرقمي جزءاً لا يتجزأ من منظومة الأمن الوطني
حيث لم تعد التهديدات مقتصرة على الهجمات السيبرانية التقنية، بل شملت الهجمات الفكرية والمعلوماتية التي تستهدف العقول قبل الأنظمة. ويعد نشر الشائعات، وترويج الأخبار المضللة، وتأجيج الرأي العام أحد أخطر أدوات هذه الهجمات،خاصة في أوقات الأزمات.
وفي هذا الإطار ، تنسجم جهود المملكة في تعزيز الأمن الوطني الرقمي مع مستهدفات الرؤية، من خلال بناء بيئة رقمية آمنة، وتتعزيز الثقة في مصادر المعلومات الرسمية، وتطوير الأطر التنظيمية التي توازن بين حرية التعبير والمسؤولية المجتمعية.
أولت رؤية السعودية 2030 اهتماما بالغا ببناء الإنسان قبل البنيان، وأكدت على تنمية مهارات المستقبل ، ومن أبرزها الوعي الرقمي والتفكير الناقد، فالمجتمع الواعي هو القادر على:
التمييز بين المعلومة والشائعة
فهم سياق الأحداث بعيدا عن التهويل أو التهوين
ومقاومة خطاب الكراهية والتطرف؛ودعم الاستقرار المجتمعي في أوقات التحديات
وتسهم المبادرات الوطنية في مجالات التحول الرقمي، والتعليم، والإعلام، في ترسيخ ثقافة الاستخدام المسؤول لمواقع التواصل الاجتماعي، بما يعزز الأمن الفكري ويخدم الأمن الوطني.
إن تحقيق الأمن الفكري الرقمي يتطلب تكاملا ً مؤسسياً يتسق مع الرؤية الوطنية ويشمل:
المؤسسات التعليمية : عبر إدماج التربية الإعلامية الرقمية ومهارات التفكير الناقد في المناهج ، ولأقسام الوعي الفكري اليوم في وزارة التعليم وفي كافة الإدارات التعليمية دورها الفاعل في تعزيز الأمن الفكري في المجتمع التعليمي والمحلي من خلال البرامج والدورات واللقاءات الفكرية التي يتم تفعيلها وفق اللوائح والأنظمة ، وقد سعدت باستضافة من قبل إحدى المدارس في تعليم أملج لتقديم لقاء توعوي بعنوان ( التصدي للشائعات والحملات المعادية للمملكة العربية السعودية)، وقبل أيام تابعت عبر منصة X ما تناولته قناة الإخبارية من كلمات متحدث رئاسة أمن الدولة العقيد تركي الحربي في محاضرة بعنوان الإرجاف في منطقة القصيم وبحضور سمو أمير المنطقة ليؤكد على أن المملكة واجهت حملات تشويه وتشكيك ومغالطات من خارج الحدود مع انطلاق الرؤية المباركة، وأكد سمو الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بأننا لا نواجه معلومات مضللة فقط بل حرب وعي تتطلب إدراك قيمة الكلمة، والصمت أحيانا يكون أبلغ من الانسياق خلف شائعة أو خبر غير موثوق.
ومن خلال تجربة وخبرة ميدانية في التعليم والتدريب على مهارات الحوار الفكري والأمن الفكري في عدة مدن سعودية ولله الحمد ولطلاب وطالبات الجامعات السعودية عبر برنامج سفراء الوسطية في جامعة طيبة في تجربة فريدة من نوعها أعتز بها كثيرا مع مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري وتنفيذ برنامج الحوار الفكري ومهارات الاتصال في الحوار ، ففي المدينة النبوية اجتمع الطلاب والطالبات من كل جامعة سعودية وتحديدا تم تنفيذ برنامج بعنوان ( الأمن السيبراني أمن الوطن ) ، وكم أتمنى أن يقام مثل هذه البرامج التدريبية واللقاءات الفكرية مع الشباب والفتيات حتى في المدارس وليس الجامعات فقط مع شخصيات وطنية تعرف طريقها لعقول وقلوب الشباب فهم الكنز الحقيقي للوطن وعقولهم مستهدفة ولكنهم دوما يكونون على قدر التحديات في مواجهة كل الأفكار المتطرفة والمرجفة وهم من يتصدون لكل من يحاول المساس بأمن الوطن .
وتبقى المنصات الإعلامية الوطنية محل الاهتمام والتي تعنى بتقديم خطاب مهني مسؤول ، في التصدي للشائعات بموضوعية وسرعة فائقة. والحصن الذي يعول عليه دوما هو البيت والأسرة التي تهتم بتعزيز الحوار وبناء الثقة وتوجيه الأبناء نحو الاستخدام الواعي للمنصات.
الشباب هم خط الدفاع الأول عن الأمن الفكري ومن خلال رؤية 2020 التي تسعى لتمكين الشباب حتى يكونوا شركاء في التنمية وصناعا للمستقبل هو ما يضع على عاتقهم مسؤولية وطنية في حماية أمنهم الفكري، من خلال التثبت قبل النشر، ورفض الانسياق خلف الخطاب المتطرف أو المضلل، والمشاركة الإيجابية في نشر الوعي ، وتعزيز القيم الوطنية في الفضاء الرقمي.
حين يٌصان العقل ، تُصان الأوطان، وحين يُبنى الوعي ، يتحقق الاستقرار والتنمية المستدامة.

