همس الوجود وصمت الروح

الكاتبة: ندى إبراهيم الجهني
بين صمت النفس وهمس الوجود، أشعر بالليل يزحف على روحي كقطار لا يتوقف، يحمل معه عبق الذكريات وأصواتًا لم تعد تُسمع سوى في داخلي. أتنفّس الظل، وأشم رائحة الغياب في كل زاوية من جسدي. أراقب قلبي ينبض وحده، كأنه وحده يعرف أسرار هذا العالم الذي لا يفهمني أحيانًا.
أظن أحيانًا أن الزمان مجرد وهم نسير فيه على أقدامنا، ونترك خلفنا آثارًا لا أحد يلتفت إليها. كل لحظة هي حجر نرميه في بحر لا يرد سوى صدى داخلي. كل ضحكة، وكل دمعة، وكل كلمة لم تُقال، هي جزء مني، أتلمسها في الظلام، وأحملها معي كما يحمل العاشق رائحة محبوبه في ثنايا قلبه.
أحيانًا أشعر أنني أعيش في عالم مزدوج:
عالم خارجي مملوء بالناس والضوضاء، وعالم داخلي أعمق من البحار. أظن أنني أغرق فيه، وأجد نفسي أحيانًا أستطيع أن أطير فيه وألامس نجومًا لم ترها عين ولم تسمعها أذن.
أتعلم من كل ألم كيف أصبح أهدأ، وكيف أصغي لكل شيء بدون خوف، بدون مقاومة، بدون انتظار شيء من الخارج. أتعلم أن الوحدة ليست عقوبة، بل مساحة مقدسة أكتشف فيها ذاتي الحقيقية، وأعرف كم أنا هشّة وكم أنا قوية في نفس الوقت.
أتعلم أن الحب ليس شعورًا واحدًا، بل مجموعة من الألوان والأصوات والروائح التي تعانق الروح وتدفعها لتعرف معنى الوجود. أتعلم أن الفقدان ليس نهاية، بل بداية لشعور أعمق بالحياة. أتعلم أن كل ألم، وكل فرح، وكل خيبة أمل، هو رسالة من الوجود لي لأفهم نفسي أكثر، لأرى كم يمكنني أن أحتمل، وكم يمكنني أن أحب وأقبل وأغفر.
أتعلم أن الزمن ليس عدوًا، بل مرآة تعكس ما نحن عليه وما نتجاهله. أتعلم أن كل لحظة صمت هي حوار بيني وبين روحي، وأن كل دمعة هي درس، وأن كل ابتسامة هي نصر صغير على كل ما يسحق القلب.
وأتعلم أن الحياة ليست كما يصفها الآخرون، ليست كما يريدونها لي، بل كما أشعر بها، كما أعيشها وأحس بها في كل خلية من جسدي، في كل نبضة من قلبي، في كل فكرة تمر في عقلي، في كل حلم يزورني في الليل.
وأتعلم أن الإنسان لا يحتاج دائمًا للكلمات؛ أحيانًا يحتاج للصمت فقط. للصمت الذي يربط بين قلبه وقلب العالم الذي حوله، للصمت الذي يجعله يرى ما لا يراه أحد، للصمت الذي يكشف له أن الحب الحقيقي ليس ما نسمعه بل ما نشعر به، وأن السلام الداخلي ليس حلمًا بل حقيقة يمكن لمسها إذا اقتربنا من أنفسنا بما يكفي.
أتعلم أن كل لحظة أعيشها بلا خوف، بلا قيد، بلا انتظار، هي انتصار. وأن كل شعور أحتويه مهما كان صغيرًا أو مؤلمًا هو جزء من تجربة الوجود. وأن الروح لا تكذب أبدًا، وأن العاطفة لا تخون، وأن القلب يعرف الطريق حتى عندما تضيع العيون.
أتعلم أنني أنا الحياة، وأنا العالم، وأنا كل لحظة أعيشها، وكل لحظة أفكر فيها، وكل لحظة أحلم فيها، وكل لحظة أبكي فيها، وكل لحظة أضحك فيها، وكل لحظة أحب فيها، وكل لحظة أفقد فيها، وكل لحظة أصمت فيها، وكل لحظة أتنفّس فيها، وكل لحظة أكتب فيها، وكل لحظة أخلق فيها، وكل لحظة أتعلم فيها، وكل لحظة أستمع فيها، وكل لحظة أتعاطف فيها، وكل لحظة أختبر فيها كل ما في داخلي وكل ما حولي، وكل ما لا أراه وكل ما أراه، وكل ما أتخيله وكل ما يحدث دون أن أفكر فيه، وكل ما يأتيني من الماضي والحاضر والمستقبل.
كل شيء متصل، وكل شيء جزء من كل شيء.
وكل لحظة هي أنا، وكل لحظة أنا هي الحياة.



