الوعي ليس وعدًا بالشفاء… بل شجاعة في النظر إلى الداخل

محمد منيع ابوزيد
في زمنٍ تتسارع فيه وصفات “التحسّن” وتُختصر التجارب الإنسانية في عناوين جذابة وسريعة، يندر أن نجد صوتًا يتعامل مع الوعي بوصفه رحلة لا منتجًا، ومسؤولية لا ادعاءً.
ندى إبراهيم الجهني، كاتبة وصانعة محتوى صوتي وباحثة في الوعي الإنساني، واحدة من هذه الأصوات القليلة. لا تقدّم خطابًا مريحًا، ولا تسوّق خلاصات جاهزة، بل تكتب وتتحدث من موقع المعايشة والتجربة. تُعرف بلقب «قلم ناطق» لأن الكلمة عندها لا تتوقف عند النص، بل تمتد إلى الصوت والحضور وتحمل تبعاتها كاملة.
في هذا الحوار، لا تقدّم ندى أجوبة نهائية، بل تفتح مساحات تفكير، وتعيد تعريف مفاهيم الوعي، والرعاية، والتدبر، بعيدًا عن الضجيج.
لنبدأ من البدايات…
كيف تشكّلت علاقتك المبكرة بالإنسان، ولماذا كان حلم التمريض حاضرًا في طفولتك؟
منذ وقت مبكر كنت شديدة الحساسية تجاه ألم الآخرين، ليس من باب العاطفة العابرة، بل من شعور داخلي بالمسؤولية. التمريض لم يكن في ذهني وظيفة، بل فكرة مرافقة الإنسان في لحظات ضعفه الجسدي والنفسي. ورغم أن هذا المسار لم يكتمل أكاديميًا، إلا أن جوهره بقي حاضرًا في داخلي. تغيّر الاتجاه، لكن الرغبة في الاحتواء لم تختفِ، بل انتقلت من الجسد إلى النفس، ومن الألم الظاهر إلى الصراع الداخلي غير المرئي.
هل يمكن اعتبار مسارك الحالي امتدادًا لذلك الحلم الأول؟
بكل وضوح، نعم. ما أفعله اليوم هو شكل آخر من أشكال الرعاية. رعاية بالكلمة، وبالإنصات، وبمرافقة الإنسان وهو يفهم نفسه. الجوهر واحد، الأداة فقط هي التي تغيّرت.
«قلم ناطق»… كيف وُلد هذا اللقب؟
لأنني لا أؤمن بالكلمة المنفصلة عن أثرها. الكتابة عندي لا تكتمل إن بقيت حبيسة الورق. الصوت يمنحها مسؤولية أكبر، ويمنحني التزامًا أخلاقيًا تجاه ما أقدّمه. أنا لا أكتب من موقع التنظير أو التفوق، بل من موقع التجربة، وهذا ما جعل التلقي قائمًا على القرب لا على الإبهار.
رغم توقفك عند المرحلة الثانوية، دخلتِ مسارًا معرفيًا متنوعًا. كيف تنظرين إلى مفهوم التعليم خارج الإطار الأكاديمي؟
أؤمن أن المعرفة التي لا تُختبر تبقى معلّقة. لهذا اتجهت إلى الدورات التطبيقية في إدارة المشاريع، وتنظيم الوقت، والإعلام، والتقديم الصوتي، والحاسب الآلي. أردت أن أتعامل مع حياتي كمشروع متكامل، لا كمجموعة أفكار معزولة. التعلم بالنسبة لي فعل، لا شهادة.
كيف تعاملتِ مع موجة مفاهيم الوعي الحديثة دون أن تفقدي البوصلة الدينية والعقلية؟
هذا كان سؤالًا محوريًا في رحلتي. أي مفهوم لا يحترم العقل ولا ينطلق من الإيمان يتحول إلى حالة ذهنية مضلِّلة. انطلقت في فهم النفس الإنسانية من مرجعية إسلامية واضحة: التدبر، النية، الصبر، تزكية النفس، التوكل. هذه ليست مفاهيم بديلة، بل أصول عميقة. ما أقدّمه لا ينفصل عن الدين، ولا يتصادم مع الفطرة، ولا يَعِد بشفاء سريع، بل يدعو لفهم أعمق ومسار أوعى.
عن كتابك «مرآة الظل»… ما الفكرة الجوهرية التي أردتِ إيصالها؟
الكتاب دعوة صريحة لمواجهة الذات. تجاهل الجوانب المظلمة في النفس لا يلغيها، بل يضخمها. أردت أن أقول إن المصالحة مع الذات تبدأ بالاعتراف، لا بالهروب، وبالصدق لا بالإنكار.
وماذا عن «رحلة التدبر والشفاء»؟
هو ليس وعدًا، بل مسار. محاولة لربط التدبر القرآني بفهم النفس، بعيدًا عن الحلول الجاهزة والخطابات السريعة. الشفاء ليس محطة، بل عملية مستمرة من الوعي والعمل الداخلي.
اخترتِ المحتوى الصوتي، وخصوصًا عبر منصات سريعة مثل تيك توك. لماذا؟
لأن الصوت يصل بلا وسائط. أقدّم تأملات، وقراءات، وتحليل كتب، ومساحات دعم، لا توجيهًا قسريًا. لا أقدّم نفسي كقائدة، بل كمرافقة. أرفع الوعي، ولا أفرض اتجاهًا.
تصفين حياتك بأنها مختبر عملي. ماذا تعنين بذلك؟
لا أشارك فكرة لم أختبرها. أراجع نفسي باستمرار، أقيّم التجربة، أُعيد ضبط المسار. هذا ما منح المحتوى صدقيته، لأنه نابع من تجربة حقيقية لا من تصورات نظرية.
في جملة واحدة… كيف تختصرين رسالتك للإنسان؟
الإنسان لا يحتاج من يقوده، بل من يرافقه.
والوعي الحقيقي لا يَعِد، بل يفتح الطريق.
خاتمة
ندى إبراهيم الجهني لا تقدّم خطابًا مريحًا، لكنها تقدّم خطابًا صادقًا. لا تبيع الأمل، ولا تصنع بطولات شخصية، بل تكتب وتتحدث بوعي المسؤولية. «قلم ناطق» لأنها حين تكتب تتكلم، وحين تتكلم تتحمل ثمن الكلمة كاملة، في زمن قلّ فيه من يفعل ذلك.


