
د. فهد عيد الحاسري
أصبحت الأجهزة الذكية جزءاً من حياة أبنائنا حتى إن بعض الأطفال يبدأ يومه بالشاشة وينهيه بها وبين البداية والنهاية تتنقل أصابعه بين الألعاب والمقاطع ومنصات التواصل، بينما يقل نصيبه من الحركة واللعب والحوار والتجربة الحقيقية.
وهنا لا يكفي أن نسأل: كم ساعة يستخدم طفلي الجوال؟
بل الأهم أن نسأل: ماذا أخذت الشاشة من حياته؟
فالمشكلة ليست في التقنية ذاتها فهي أداة للتعلم والمعرفة والتواصل والترفيه، وإنما تبدأ عندما تتحول من جزء من حياة الطفل إلى حياته كلها.
لا تسحب الجهاز وتترك فراغاً فمن الخطأ أن نعتقد أن الحل يبدأ وينتهي بأخذ الجوال من الطفل فالطفل الذي اعتاد ساعات طويلة أمام الشاشة ثم تُسحب منه فجأة دون بديل قد يقابل ذلك بالغضب والعصبية والإلحاح.
لذلك فالحل ليس في الدخول معه في معركة يومية بل في تنظيم الاستخدام وصناعة البديل كرياضة، وهواية، وقراءة، ولعب، وزيارات، ومسؤوليات منزلية، ووقت حقيقي مع الأسرة.
لا تقل لطفلك فقط اترك الجوال بل أعطه سبباً يجعله يقوم بتركه.
ومن الأفضل أن تكون قواعد استخدام الأجهزة واضحة لجميع أفراد الأسرة متى تستخدم؟ وأين؟ ومتى توضع جانباً ؟ فالقواعد الثابتة أهدأ من القرارات المفاجئة والاتفاق الأسري أكثر أثراً من العقوبة المتكررة.
وإذا أصبحت العصبية شديدة ومتكررة أو أثرت في نوم الطفل أو دراسته أو علاقته بأسرته فلا ينبغي الاكتفاء بالعقاب بل البحث عن أسبابها والتعامل معها تربوياً والاستعانة بالمختص عند الحاجة.
ولا تحمه من كل تجربة فمن شدة محبتنا لأبنائنا قد نقوم بكل شيء نيابة عنهم نوقظهم، ونرتب أغراضهم، ونحل مشكلاتهم، ونتدخل في خلافاتهم، ثم نتساءل عندما يكبرون لماذا لا يتحملون المسؤولية؟
الاستقلال لا يبدأ عند الثامنة عشرة بل يُبنى منذ الصغر، أعط طفلك مسؤوليات تناسب عمره ودعه يختار ويجرب ويتعلم من أخطائه البسيطة ويتحمل النتائج المناسبة لعمره.
فالخطأ الصغير الذي يتعلم منه الطفل اليوم قد يحميه من خطأ أكبر غداً .
نحن لا نربي طفلاً ليظل طفلاً ، بل نُعِد إنساناً يستطيع يوماً إدارة حياته دوننا.
ومع الشاشة… يأتي الأمان فكلما اتسع حضور الطفل في العالم الرقمي لم تعد مسؤولية الأسرة تنظيم الوقت فقط بل أصبحت التوعية والحماية جزءاً أساسياً من التربية .
علّم طفلك بأسلوب يناسب عمره بأن لجسده وخصوصيته حدوداً وأن من حقه رفض أي لمس أو طلب أو تصوير غير مناسب وأن يخبر والديه فوراً بأي موقف يخيفه أو يزعجه حتى لو طلب منه شخص يعرفه أن يبقي الأمر سراً .
وفي العالم الرقمي علمه ألا يرسل صوراً خاصة أو معلومات شخصية وألا يستجيب للمحادثات والطلبات المريب، وفي المقابل علمه احترام أجساد الآخرين وخصوصيتهم وحدودهم.
فالوقاية الحقيقية تسير في اتجاهين طفل يعرف كيف يحمي نفسه وطفل يعرف كيف يحترم الآخرين.
واصنع له درعاً من الداخل والخارج درعاً خارجياً من بيئة آمنة وقواعد واضحة ومتابعة واعية ودرعاً داخلياً من القيم والثقة والوعي والقدرة على قول «لا» والتمييز بين الآمن والخطر والشجاعة في طلب المساعدة.
فالحماية الحقيقية ليست أن تكون بجواره دائماً بل أن تبني داخله ما يحميه عندما لا تكون معه.
والأهم أن يعرف الطفل أن باب والديه مفتوح له وأنه إذا أخبرهما بموقف تعرض له فلن يكون أول ما يواجهه الصراخ أو اللوم أو العقاب.
فالطفل الذي يخاف من ردة فعل أسرته قد يخفي عنها أكثر ما تحتاج إلى معرفته.
والرقابة وحدها لا تكفي ابنِ الثقة التي تجعل طفلك يأتي إليك قبل أن تبحث أنت في هاتفه.
اسمح له أن يشعر بالملل فليس مطلوباً أن تكون كل دقيقة في حياة الطفل ممتلئة بالترفيه، فالملل أحياناً يفتح باباً للخيال والاكتشاف حين لا يجد الطفل شاشة جاهزة أمامه قد يرسم، أو يقرأ، أو يتحرك، أو يتحدث مع إخوته، أو يبتكر لعبة، أو يكتشف هواية جديدة.
فلا نسارع دائماً إلى إعطاء الطفل الجوال كلما قال «أشعر بالملل».
أحياناً يحتاج الطفل إلى مساحة يكتشف فيها ماذا يستطيع أن يصنع بنفسه.
اما القدوة فيجب ان تكون قبل الرقابة فقد يصعب أن نقنع طفلاً بترك هاتفه بينما يرى والديه ممسكين به معظم الوقت.
لذلك تبدأ التربية الرقمية من الأسرة نفسها أوقات بلا أجهزة، وطعام يجمع الأسرة دون شاشات، وحوار يومي، واهتمام بما يشاهده الأبناء وبمن يتواصلون معه.
فالطفل لا يتعلم فقط مما نقوله له بل مما يراه فينا.
ولا تجعل التقنية عدواً فأبناؤنا سيعيشون في عالم ستكون فيه التقنية والذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من التعليم والعمل والحياة.
والتحدي الحقيقي ليس أن نربي أبناءً بعيدين عن التقنية وإنما أن نربي أبناءً يستخدمون التقنية دون أن تستخدمهم.
من الرقابة إلى الرقابة الذاتية :
لعل أحد أهم أهداف التربية أن تنتقل المسؤولية تدريجياً من الوالدين إلى الطفل نفسه.
في البداية نحدد له الوقت ثم نعلمه لماذا نحدده ونراقب اختياراته ثم نعلمه كيف يختار ونحميه من الخطأ ثم ندربه على اكتشافه وتجنبه بنفسه.
فالنجاح الحقيقي ليس أن يلتزم الطفل لأن والديه يراقبانه بل أن يعرف كيف يتصرف عندما لا يراقبه أحد.
وهنا تتحول التربية من أوامر مؤقتة إلى قيم ووعي يرافقانه في غيابنا.
وتبقى تربية الأبناء أمانة ومسؤولية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]، وقال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه.
وأخيراً…
لا تجعل معركتك مع ابنك حول الجوال بل اجعل مشروعك أكبر اصنع له حياةً أجمل من الشاشة ووعياً يحميه داخلها وخارجها.
علمه المسؤولية قبل أن تطالبه بها والخصوصية قبل أن يحتاج إلى الدفاع عنها واحترام حدود الآخرين كما تعلمه حماية حدوده.
ولا تزل كل حجر من طريقه علمه كيف يتجاوزه.
ولا تتخذ عنه كل قرار علمه كيف يختار.
ولا تمنعه من التقنية علمه كيف يقودها.
ولا تكتفِ بمراقبته ابنِ فيه الضمير والوعي اللذين يراقب بهما نفسه.
فنحن لا نربي أبناءنا ليبقوا تحت أعيننا إلى الأبد، وإنما نربيهم للحياة في العصر الرقمي لذلك اليوم الذي يسيرون فيه في الحياة دوننا بوعي يحميهم ومسؤولية تقودهم وقيم تضبطهم.



