لا يكفي أن تكون حيًّا

رحمه الطويرقي
بين الكاف والنون، وُلدت دهشةٌ لا تزال الأرض تعيش صداها.
«كُن»… كلمتان قصيرتان ، لكنهما تتسعان لكونٍ كامل ، فليس الوجود في جوهره إلا استجابةً لذلك الأمر الأزلي. نجمةٌ تشتعل، شجرةٌ تمد جذورها في العتمة، طائرٌ يشق الهواء، إنسانٌ يبحث عن معنى… وكل كائنٍ في هذا الامتداد الهائل يقول بطريقته: أنا هنا.
لكنني كثيرًا ما أتساءل:
هل يكفي أن نكون كائناتٍ حية حتى نكون جديرين بالحياة…؟!
ربما ليست المسألة في أن نعيش ،لكن في كيف نترك الحياة تعيش من خلالنا.
فالكون لا يبدو لي مكانًا نعيش فيه، بقدر ما يبدو كائنًا هائلًا نتشارك معه النبض ، نحن لا نقف خارجه لنتأمله، نحن إحدى ذراته، وأحد أسئلته المؤجلة.
الشجرة التي لا تتحدث ليست صامتة.
والزهرة التي لا تعرف اسمها ليست بلا معنى.
والطائر الذي لا يكتب قصيدةً يعرف كيف يصنعها حين يملأ الصباح بصوته.
كل كائنٍ حي يحمل لغته الخاصـة ، ونحـن الذين ضاقت بنا اللغة أحيانًا حتى ظننا أن ما لا يتكلم لا يشعر.
ولعل أعمق درجات الوعي ألا نسأل:
ماذا تمنحني الكائنات..؟!
إنما
ماذا أستطيع أن أمنحها لأنني أشاركها نعمة الوجود ..؟!
أن أترك شجرةً تكبر دون أن أحتاج إلى ثمرها.
أن أسقي عطش طائرٍ دون أن أعرف اسمه.
أن أحمي زهرةً لا تعرف أن يدًا مرّت بقربها.
أن أعبر الأرض دون أن أترك في جسدها ندبة.
ربما تكون الرحمة هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان أن يتحدث مع الكون دون لغة.
وحين أفكر في الكاف والنون ، أجدني أفكر في الإنسان أيضًا.
فالكاف بداية خطاب …
والنون نهاية تشكّل …
وبينهما يولد شيء اسمه الكائن.
نحن كائناتٌ لا تكتفي بأن تكون ، نحن نبحث عن تفسير لوجودنا ، وننسى أحيانًا أن بعض الوجود لا يحتاج إلى تفسير، إنما إلى احترام.
لستُ بحاجة لأن أفهم لماذا وُجدت الفراشة كي أندهش من هشاشتها.
ولا لأن أعرف سر الشجرة كي أتعلم منها الصبر.
ولا لأن أمتلك تفسيرًا للنجوم كي أشعر أنني أصغر من أن أؤذي هذا الاتساع.
ربما كان النضج الحقيقي أن نتوقف عن النظر إلى الكائنات باعتبارها أشياءً تدور حول الإنسان ، ونبدأ بالنظر إليها باعتبارها أرواحًا تشاركنا حقها في هذا الضوء.
فالكون لا يحتاج إلى إنسانٍ أكثر سيطرة…
أنما إلى إنسانٍ أكثر وعيًا.
إنسانٍ يعرف أن يده التي تستطيع أن تقطف، تستطيع أيضًا أن تترك.
وأن صوته الذي يستطيع أن يخيف ، يستطيع أن يطمئن.
وأن وجـوده ، مهما بدا عظيمًا، ليس سوى نقطةٍ صغيرة في لوحـةٍ لا يعرف أطرافها.
وربما لهذا أحب أن أتأمل المسافة بين الكاف والنون.
مسافةٌ صغيرة جدًا…
لكنها تكفي لولادة كون.
وتكفيني أنا أيضًا لأتساءل:
ماذا لو لم يكن السؤال: كيف أكون كائنًا حيًا ..؟!
إنما :
كيف أكون حياةً للكائنات من حولي.. ؟!
فثمة فرقٌ هائل بين أن تكون حيًا…
وأن تجعل الحـياة ، حيثما مررت ، أكثر رحمة.
وهنا ، ربما ، يبدأ الإنسان في فهم كينونته.
لا حين يقول:
أنا موجود.
إنما حين يستطيع أن يقول ، دون ضجيج :
مررتُ من هنا… فازداد شيءٌ ما في هذا الكون حياة



