المقالات

حين نخاف أن يرانا الآخرون

د. فهد عيد الحاسري

د. فهد عيد الحاسري

قد لا يكون أكثر ما يخيف الإنسان أن يفشل، بل أن يراه الآخرون وهو يفشل.

ولهذا نقضي أحياناً سنوات نحاول أن نبدو أقوى مما نحن عليه، نخفي خوفنا ونتردد في الاعتراف بأخطائنا ونؤجل أفكارنا ومشروعاتنا لا لأننا عاجزون عن البدء، بل لأن سؤالاً خفياً  يلاحقنا : ماذا سيقول الناس إن أخطأنا؟

إنه الخوف من الظهور.

أن تملك فكرة ولا تقولها، وموهبة ولا تظهرها، ومشروعاً تؤجله، ورأياً ناضجاً  تخشى إعلانه لأن الظهور يعني أن تكون مرئياً، وأن تكون مرئياً يعني أن تصبح عرضة للنقد والاختلاف وربما الفشل.

لكن المفارقة أن بعض الناس يدفعون ثمن الفشل دون أن يفشلوا لأن خوفهم منه جعلهم يفوّتون فرصهم.

فأحياناً لا يهزمنا الفشل بل يهزمنا الخوف منه قبل أن يحدث.

وهذا الخوف لا يبدأ دائماً عندما نواجه الحياة فقد تتشكل بعض جذوره في سنوات التربية الأولى.

فالطفل الذي يُسخر منه عندما يخطئ أو يُقارن باستمرار بغيره أو يشعر بأن قيمته مرتبطة بتفوقه قد يكبر وهو يحمل اعتقاداً مؤلماً أن الخطأ ينتقص من قيمته.

وهنا ينبغي أن نعيد النظر في معنى التربية الناجحة.

فنحن لا نستطيع أن نربي أبناءً لا يخطئون، ولكننا نستطيع أن نربي أبناءً يعرفون ماذا يفعلون عندما يخطئون.

نعلمهم أن الاعتراف بالخطأ شجاعة، والاعتذار قوة، وطلب المساعدة وعي، وأن الفشل في تجربة لا يعني الفشل في الحياة.

وفي الوقت نفسه فإن احتواء الخطأ لا يعني تبريره، والمحبة لا تعني إلغاء المسؤولية. فالتربية المتوازنة تمنح الابن الأمان ليعترف بخطئه، ثم تعلمه أن يتحمل مسؤوليته ويعمل على إصلاحه.

وهذه الحاجة لا تنتهي بانتهاء الطفولة.

فمهما بلغ الإنسان من العمر والعلم والخبرة والمكانة، تبقى لديه مناطق قد لا يستطيع رؤيتها في نفسه.

لكل إنسان نقطة عمياء.

قد يرى أخطاء الآخرين بوضوح، بينما يعجز عن رؤية الخطأ نفسه حين يصدر منه. قد يظن صراحته قوة بينما يراها الآخرون قسوة، ويحسب حذره حكمة وقد أصبح خوفاً ، ويرى إصراره ثباتاً وقد تحول إلى عناد.

ولهذا أرى أن كل إنسان يحتاج في حياته إلى مرآة صادقة.

إنسان يثق بعقله وصدقه ومحبته ويمنحه الحق في أن يقول له ما قد لا يحب سماعه :

هنا أخطأت.

هنا قسوت.

هنا استعجلت.

وهنا كان بإمكانك أن تكون أفضل.

وجود مثل هذا الإنسان نعمة.

فالصديق الحقيقي ليس من يصفق لكل قراراتك، والمستشار الأمين ليس من يخبرك دائماً بما تحب سماعه، والمحب الصادق ليس من يبرر لك أخطاءك.

ولكن علينا أن نفرق بين المرآة الصادقة والمرآة المكسورة.

فليس كل من ينتقدك ناصحاً، وليس كل من يصارحك أميناً . فهناك من ينتقد ليصلح ومن ينتقد ليجرح ومن يكشف لك خطأك لأنه يريد لك أن تكون أفضل ومن يبحث عن أخطائك ليشعر بأنه أفضل منك.

لذلك لا تمنح حق الدخول إلى أعماقك لكل أحد.

اختر من يعرفك ويحفظ كرامتك ولا يستثمر ضعفك ضدك ويملك من الحكمة ما يجعله يعرف متى يتحدث، وكيف يتحدث، ولماذا يتحدث.

ثم امتلك أنت الشجاعة لتسمعه.

فأحياناً تكون شجاعة سماع الحقيقة عن أنفسنا أصعب من شجاعة قولها للآخرين.

وفي القيادة تصبح هذه المسألة أكثر أهمية، فالإنسان كلما ارتفع منصبه قد يقل عدد الذين يجرؤون على مصارحته.

وحين يسمع القائد ما يرضيه أكثر مما يحتاج إليه قد تتسع المسافة بين الصورة التي يراها عن نفسه والصورة التي يراها الآخرون.

ولهذا يحتاج القائد الناجح إلى من يستطيع أن يقول له باحترام: هذا القرار لم يكن موفقاً .

فالقائد الذي يستطيع أن يقول لا أعلم وأخطأت وأحتاج رأياً آخر لا ينتقص من مكانته بل يؤكد ثقته بنفسه ونضجه.

كما أن القيادة التي تعاقب كل خطأ قد تصنع موظفين يتقنون إخفاء الأخطاء، بينما القيادة التي تفرق بين خطأ الاجتهاد والإهمال تصنع بيئة تتعلم وتتطور.

وهنا نصل إلى السؤال الأهم:

هل القوة أن تخفي ضعفك أم أن تعرفه؟

القوة الحقيقية تبدأ من المعرفة وأن تعرف أين تخاف، ولماذا تخاف، وما الذي يمنعك من الظهور والمحاولة. وأن تعرف نقاط ضعفك دون أن تحتقر نفسك بسببها، ونقاط قوتك دون أن تغتر بها.

ثم تجد في حياتك إنساناً أميناً يساعدك على رؤية ما لا تستطيع رؤيته وحدك.

فليس الضعف أن تقول أخطأت بل أن تعرف أنك أخطأت وتصر على الخطأ حتى لا تهتز صورتك أمام الناس.

وليس الضعف أن تقول أحتاج المساعدة بل أن تحتاج إليها ثم يمنعك كبرياؤك من طلبها.

وليس الضعف أن تخاف من الظهور فالخوف شعور إنساني.

إنما الخطر أن تمنح خوفك حق اتخاذ قرارات حياتك نيابةً عنك.

علّم أبناءك أن الخطأ يمكن إصلاحه ولا تجعل صورتك أمام الناس أهم من حقيقتك أمام نفسك واختر في حياتك إنساناً تثق بصدقه أكثر من ثقتك بمجاملته.

ثم اخرج إلى الحياة.

قل فكرتك وابدأ مشروعك واكتب كلمتك واعترف بخطئك واطلب النصيحة وتعلم من تعثرك.

فالعالم لا يحتاج منا أن نكون كاملين حتى نظهر والحياة لا تنتظر حتى نتخلص من كل مخاوفنا.

وربما تكون أعظم شجاعة يصل إليها الإنسان أن يسمح لنفسه بأن يُرى كما هو بقوته وضعفه وبنجاحه وتعثره، ثم يظل قادراً على أن يقول:

عرفتُ موطن ضعفي ووجدت من يصدقني القول وتعلمت من خطئي والآن سأمضي.

فمن عرف نفسه لم يضره أن يكتشف نقصه،

ومن وجد المرآة الصادقة لم يخف من رؤية عيوبه،

ومن امتلك شجاعة الظهور بدأت أمامه الحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى