رحمة عرفة: حين لا يكون السفر هروبًا… بل طريقة لفهم النفس

محمد منيع ابوزيد
لا تسافر رحمة عرفة لتصل، بل لتفهم.
تمشي في المدن كما لو أنها تمشي داخل سؤال طويل، تلتقط التفاصيل الصغيرة، وتترك للأماكن فرصة أن تقول ما لا تقوله الكلمات. في زمن صار فيه السفر صورة، اختارت أن تجعله تجربة، وأن تكتب حضورها بهدوء لا يطلب الإعجاب بقدر ما يدعو للتأمل.
هذا اللقاء ليس عن الوجهات، بل عمّا يتغير فينا حين نتحرك، وعن الإنسان الذي نصبحه بعد كل طريق.
1) متى أدركتِ أن السفر ليس مكانًا بل حالة داخلية؟
بعد ٤ سنين سفر لما أدركت إني كنت بسافر هروب، ومهما يكن مكاني كنت في هروب مستمر ومش موجودة أبدًا في اللحظة.
هروب من مواجهة مشاعري اللي معبرتش عنها.
هروب من أي مسؤولية أو تحدي صعب.
هروب من نفسي لحد ما نسيت نفسي، ومبقتش عارفاني خالص.
2) هل تتحركين لأنك تبحثين… أم لأنك تعرفين ما لا تريدينه؟
في الأول كنت ببحث عن وطن home، يعني عشان أنا كبرت في جدة السعودية ٩ سنين، ورجعت مصر كام سنة، ورجعت أسافر تاني من أول سنة كلية بشكل مستمر.
فكان نفسي أحس بإحساس الانتماء لمكان زي ناس كتير حواليّا.
وبعد بحث طويل اكتشفت إن الـ home بيكون جوانا، مش فجأة هنلاقيه في مكان بدون تعب وبناء واستثمار في نفسنا، والبيئة المحيطة، والناس اللي حوالينا اللي بنختارهم يبقوا جزء من حياتنا.
وحاليًا أنا لسه في رحلتي الداخلية طبعًا، بس مستقرة في مصر وبسافر من هناك، ولما بقيت حاسة إني أشعر بالانتماء لذاتي، شعور الانتماء كبر لمصر وحبي زاد ليها.
3) ماذا يأخذ السفر منك، لا ماذا يعطيك؟
أخذ عدم الاستقرار، وأخذ من طاقتي كتير، العاطفية بالذات، بسبب التوديع المستمر لناس قربت منهم في كل حتة في العالم فترة وبعدين بمشي أو بيمشوا.
فخلاني متبلدة نسبيًا عاطفيًا، ومؤمنة إن “كله رايح ” وكل شيء مؤقت، وده الواقع، مش نظرة سوداوية.
وأداني الإحساس إني لا شيء، وإني لا أعلم أي شيء من كِبر العالم اللي حوالينا.
وأداني الانفتاح وعدم الحكم على أي شخص أو تصرف، طبعًا لو مش مضر لغيره.
وأداني ناس بقوا زي أهلي دلوقتي وأقرب الناس ليا.
وأداني أحلى وأجمل تجارب تعليمية وترفيهية وأحلى ذكريات.
وأخذ انبهاري بأي حاجة، عشان حاسة إني عشت كل حاجة خلاص وبقى الانبهار والحماس قليل قوي.
4) هل الوحدة رفيقة الطريق أم عبئه؟
لا أحب الوحدة إطلاقًا، بحب أقعد مع نفسي من وقت للتاني، وأقضي وقت رومانسي مع نفسي أحيانًا في شكل ديت أو سفر أو تجربة، لكن ده عشان أشحن وأهدى شوية، لأن حياتي مليانة ناس طول الوقت بحكم شغلي الدايركت مع الناس حاليًا، ودي حاجة حلوة بس برضه مرهقة شوية.
5) متى شعرتِ بأنكِ أقرب لنفسك وأنتِ بعيدة عن كل شيء؟
جورجيا – مارس ٢٠٢٣.
كنت بدأت ثيرابي، وقررت أسافر لوحدي وأفضل لوحدي معظم الوقت عشان أواجه نفسي ومشاعري وخوفي، وأنضف جزء من الحمل وأخف شوية.
وفعلًا دي كانت أول مرة أطلع من دور الشخص المؤدي على مسرح للناس، وبدأت أعرف نفسي أكتر، وأتقبل عيوبي وغلطاتي، وأحبني فعلًا.
حقيقي الوقت ده كان من أكتر الأوقات الصعبة نفسيًا، لكن كان فيه سلام نفسي وتقبّل رهيب.
وده الوقت برضه اللي بدأت فيه شركة السياحة بتاعتي، وبدأت أشارك تجاربي حول العالم مع ناس.
6) هل العودة أصعب من الرحيل؟
دلوقتي الحمد لله لا خالص، بس أكيد في الأول كانت كده جدًا.
7) كيف تحافظين على صدقك دون أن تتحولي إلى “محتوى مستهلك”؟
بصراحة أنا عندي مشكلة بالعكس، صحابي بيحاولوا يوجهوني إني أبقى أقل تلقائية وعفوية على السوشيال ميديا، بس أنا فعلًا ما بعرفش أكون أي حاجة غير نفسي الحالية، باهتماماتي اللي بتتغير طول الوقت، والـ phases اللي بمر بيها.
من رحمة اللي لسه صغيرة وبدأت تسافر من غير فلوس خالص، وبشارك الناس خبرتي في السفر بأقل التكاليف،
لرحمة اللي مهتمة بالفن والرقص وتجارب رياضية جديدة،
لرحمة المينيماليست،
لرحمة الاستهلاكية،
لرحمة اللي دلوقتي بدلع نفسي ومش قادرة فرهدة، ومدخلة لاين رحلات فاخرة للمهتمين بالرفاهية والتجربة…
فالناس ربنا معاهم معايا بقى .
8) هل تخافين من أن يطالبك الجمهور بصورة لا تشبهك؟
لا، مش مهتمة إطلاقًا برأي الناس فيّ، ومبتغيرش عشان حد، خصوصًا ناس معرفهاش، وكده كده مفيش حد يعجب الكل.
9) متى تختارين ألا تشاركي لحظة؟
أكتر اللحظات اللي ببقى فيها موجودة، ومبسوطة، ومستريحة، ولما بكون مع أقرب الناس ليا.
10) هل غيّرك السفر… أم كشفك فقط؟
الاتنين أكيد.
كبرت ونضجت واتأثرت بكل التجارب اللي عشتها أثناء السفر، وكل الناس اللي قابلتهم.
وبرضه خلاني أكبر وأتصل أكتر بنفسي، وبمساعدة الثيرابي أكيد.
11) من رحمة التي قبل هذه الرحلة الطويلة؟
طفلة بريئة فاكرة نفسها أحسن من الكل عشان اختياراتي مختلفة عنهم، وبتحكم على اللي حواليها.
كانت متربية منذ نعومة أظافرها إنها عاقلة كبيرة متغلطش، فكنت ناسية نفسي عشان عمري ما كنتها أصلًا.
مكنش مسموح أعبر، أغلط، أقرر، أفكر… لازم أمشي في طريق معين عشان أتحب ومتعاقبش.
كنت طموحة وحالمة جدًا جدًا من وأنا طفلة، ومكنتش أتخيل ربع شكل حياتي اللي بنتها دي خالص، عقلي مكنش يجيب أصلًا، الحمد لله.
عشان مكنش في حرية قرار وغلط، مكنتش فاهمة المسؤولية اللي بتيجي مع الحرية، ومكنتش أعرف إن أهم حاجة في الدنيا هي الاستثمار في الناس المهمة اللي بيحبوني.
12) هل تخططين للطريق أم تتركينه يفاجئك؟
بتركه قوي، بس حاليًا عشان مركزة في تأسيس شركتي ومستقرة أكتر، بتمرن على التخطيط والتأني في اتخاذ القرارات.
13) لو توقفتِ عن السفر غدًا، من تكون رحمة؟
السفر مبقاش يمثلني خالص حاليًا، هو زيّه زي الفلوس: أداة من هدف.
بستخدمه عشان أعيش تجارب معينة، أو عشان أستثمر في علاقاتي وصداقاتي أو نفسي وشغلي.
وهكون صاحبة أعمال مختلفة، business woman، فنانة، ابنة أخت، صديقة، وشريكة حياة مخلصة.
رحمة عرفة لا تقدّم السفر كخريطة، بل كسؤال مفتوح. تجربتها تقول إن الطريق لا يغيّرنا بقدر ما يعرّي ما بداخلنا، وإن الضياع أحيانًا ليس خسارة، بل تدريب صامت على الفهم. ربما لهذا تبدو رحلتها مختلفة؛ لأنها لا تعد أحدًا بالوصول، بل تذكّره أن أهم الرحلات تلك التي تعيدنا إلى أنفسنا.








