المقالات

مازن محمود ثروت: بين البدايات الصامتة ومنعطفات الطريق

حكاية إنسان صنعته التجارب قبل المناصب

 لو عدنا إلى البدايات الأولى… كيف يتذكر مازن محمود ثروت طفولته؟

ولدت ونشأت في المدينة المنورة، مدينة الحبيب المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام، وهي مدينة لها مكانة خاصة في قلبي، وأفخر بكوني أحد أبنائها. تربيت على مجموعة من القيم الأساسية مثل الصدق، وحسن التعامل مع الآخرين، والإخلاص في العمل، ومساعدة الآخرين، ومع ذلك هذه الصفات تشكل جزءًا كبيرًا من شخصيتي حتى اليوم ولله الحمد.

 ما أول حلم كان يسكن خيالك في سنوات الدراسة؟

لم يكن الحلم مرتبطًا بوظيفة محددة، بل كان طموحي أن أكون شخصًا ناجحًا وله أثر في حياته وفي مجتمعه من خلال العمل والاجتهاد.

هل كنت تميل منذ الصغر إلى القيادة وتحمل المسؤولية، أم أن هذه الصفات تشكلت مع الزمن؟

كانت لدي ميول للقيادة منذ الصغر، حيث كنت أحب أن يكون لي رأي مستقل، ولم أكن أتبع القرار الجماعي إذا لم أكن مقتنعًا به، ومع الوقت بدأت هذه الصفة تظهر بشكل أكبر في المدرسة والمحيط العائلي والاجتماعي.

من الشخصية التي تركت أثرًا عميقًا في تكوينك الفكري أو الإنساني؟

من الجانب الشخصي، والدي حفظه الله من أكثر الشخصيات التي كان لها أثر عميق في تكوين فكري وشخصيتي، بحكم تواجدي معه منذ الصغر وخروجي معه في معظم الأماكن، سواء عند أصدقائه أو لإنهاء بعض الأعمال أو تلبية احتياجات المنزل. تعلمت منه أسلوب التعامل الراقي مع الناس، وما زلت أرى أثره في حياتي إلى اليوم.

ومن الجانب العملي، كان لعدد من الشخصيات القيادية التي عملت معها أثر كبير، حيث تعلمت منهم الكثير في مجالات العمل المختلفة، ومنهم الأستاذ فراس المداح في مجال التسويق والعلاقات العامة، والأستاذ محمد البيجاوي في منظومة الحج والعمرة، والأستاذ عبد الرحمن معيوف الحربي في النقابة العامة للسيارات، حيث كان لكل منهم بصمة واضحة في تطويري المهني.

التعليم وبداية الطريق

حدثنا عن رحلتك التعليمية، وأين كانت محطاتها الأهم؟

أنهيت دراستي الثانوية في المدينة المنورة، ثم انتقلت إلى مدينة جدة لدراسة مرحلة البكالوريوس في تخصص الهندسة الصناعية من جامعة الملك عبدالعزيز، وكانت هذه المرحلة بداية الاعتماد على النفس وتكوين الشخصية بشكل أكبر.

بعد ذلك عملت لمدة خمس سنوات، ثم قررت استكمال دراستي، وبفضل الله التحقت بدراسة الماجستير في الولايات المتحدة الأمريكية في تخصص الإدارة الهندسية من معهد ستيفنز للتكنولوجيا، وهو من المعاهد المصنفة ضمن أفضل المؤسسات التعليمية هناك.

 لماذا اخترت تخصصك الدراسي تحديدًا؟

اخترت الهندسة الصناعية لأنها تجمع بين الجانب الإداري والهندسي، وهو ما يتوافق مع ميولي.

 هل جاء اختيار التخصص عن قناعة مبكرة أم عن طريق الصدفة؟

كان هناك توجه ورغبة في هذا المجال، ومع الوقت أصبحت القناعة أكبر.

ما الدرس الذي تعلمته في سنوات الجامعة ولم يكن موجودًا في الكتب؟

تعلمت أن لكل مرحلة أشخاصها وتجاربها، وأن الجامعة كانت مرحلة لاكتشاف الذات وبناء الشخصية، وليست فقط للتحصيل العلمي.

أول تجربة مهنية

ما أول وظيفة عملت بها؟

كانت أول تجربة عملية تدريب في مصنع لإنتاج اللحوم المبردة كمساعد مدير إنتاج، وساهمت خلالها في حصول المصنع على شهادة الأيزو عبر إكمال متطلبات تشغيلية وإدارية وفق القائمة المعتمدة لذلك.

 كيف تتذكر يومك الأول في العمل؟

كان يومًا مليئًا بالتحدي، وتجربة جديدة تمامًا، وكان لدي رغبة قوية في إثبات نفسي والتعلم.

ما التحدي الأصعب الذي واجهته في بداياتك المهنية؟

العمل في مجالات لم أدرسها مثل التسويق والتعامل مع الجمهور، لكن مع الوقت ومن خلال الممارسة تمكنت من اكتساب الخبرة اللازمة بفضل الله وتوفيقه.

 هل شعرت في مرحلة ما أنك تسير في طريق مختلف عما كنت تخطط له؟

نعم، خاصة عند دخولي مجال العلاقات العامة، حيث كان مجال يعتمد بشكل كبير على العمل الميداني والتعامل المباشر مع الناس، والتواصل مع أشخاص من ثقافات مختلفة. من خلال هذه التجربة اكتشفت أنني شخص اجتماعي منذ أيام الدراسة، وتطورت هذه الصفة بشكل أكبر واحترافي في بيئة العمل.

المنعطفات التي تغيّر الطريق

في حياة كل إنسان لحظة مفصلية تغيّر المسار. ما أهم منعطف في حياتك المهنية؟

العمل في العلاقات العامة، ثم لاحقًا العمل في خدمة الحجاج، كانا من أبرز المنعطفات التي غيرت مسار حياتي المهنية.

هل مررت بقرار صعب شعرت أنه قد يغيّر مستقبلك بالكامل؟

الدخول في مجالات مختلفة خارج نطاق التخصص كان من القرارات التي ساهمت في توسيع خبرتي وفتح آفاق جديدة لي.

 ما التجربة التي تعلمت منها درسًا قاسيًا لكنه مهم؟

كل تجربة مررت بها كان فيها إضافة وفائدة، حتى التجارب التي كان فيها درس قاسٍ كانت تحمل في داخلها فوائد كبيرة. من أبرز هذه التجارب مشاركتي في تأسيس كيان جديد في المدينة المنورة، حيث عملنا على وضع الخطط والأسس وبناء هذا الكيان من البداية.

لكن من الدروس القاسية في هذه التجربة كانت الثقة التي منحتها لبعض الأشخاص بهدف إعطائهم الصلاحيات والحرية للتطوير، ولكنها كانت في غير محلها إطلاقًا واستُخدمت بشكل سيئ جدًا لتحقيق مصالح شخصية، بل ووصلت للإساءة. وكانت هذه التجربة درسًا مهمًا لي في التوازن بين الثقة والرقابة.

التجربة المهنية

 بعد هذه السنوات من العمل، كيف تصف الرحلة التي قطعتها؟

أستطيع أن أصفها بأنها رحلة مليئة بالتجارب المتنوعة، حيث لم تقتصر على مجال واحد، بل شملت عدة مجالات، وكل تجربة مررت بها كان لها إضافة خاصة في مسيرتي المهنية.

في مجال التسويق تعلمت التعامل مع الجمهور وطريقة الترويج للمنتجات والخدمات، وفهمت أن كل عمل يتضمن جانبًا من جوانب البيع، سواء كان بيع منتج أو خدمة أو فكرة.

وفي مجال العلاقات العامة تعلمت تنظيم الفعاليات، وإدارة حسابات العملاء، والتعامل المباشر مع الجهات المختلفة.

وفي العمل الميداني، خاصة في مجال خدمة الحجاج، تعلمت أهمية التنظيم، والعمل تحت الضغط، وأهمية تقديم الخدمة بأعلى جودة ممكنة.

كما أن تجربتي الأولى في العمل داخل المصانع، من خلال التدريب في مصنع لإنتاج اللحوم المبردة، كانت تجربة مميزة جدًا، حيث ارتبطت بشكل مباشر بخطوط الإنتاج، والتعامل مع بيئة عمل ذات حساسية عالية نظرًا لارتباطها بسلامة الغذاء، مما علمني أهمية الالتزام بالمواصفات والمعايير الدقيقة.

كل مرحلة من هذه المراحل كانت تضيف لي خبرة جديدة وتسهم في تكوين رؤية متكاملة للعمل.

 ما المرحلة المهنية التي تعتقد أنها صنعت خبرتك الحقيقية؟

كل مرحلة مهنية مررت بها كان لها دور مهم في بناء خبرتي، ولم تكن مرحلة واحدة فقط هي المؤثرة. كل تجربة كان لها طابعها الخاص وإضافتها المميزة، وجمال هذه التجارب يظهر عندما تندمج جميع هذه الخبرات والصفات من مجالات مختلفة لتكوّن شخصية مهنية متكاملة.

هذا التكامل بين الخبرات هو ما يصنع الفرق، وما زلت أؤمن أن لدي المزيد لأقدمه بإذن الله، وما زلت أسعى لاكتساب المزيد من الخبرات والتطوير المستمر.

ما الصفات التي ترى أنها كانت السبب في نجاحك؟

من أهم الصفات التي أرى أنها كانت سببًا في نجاحي الإخلاص في العمل، وهي من أهم وأبرز الصفات. كذلك الابتعاد عن الكذب والخداع، والحرص على التعامل بوضوح وشفافية في العمل.

كما أن حب العمل، والتعامل الصادق والواضح مع المسؤولين والإدارات العليا، كان له دور كبير في بناء الثقة وتحقيق النجاح.

الإنسان خلف العمل

 بعيدًا عن العمل، كيف يقضي مازن محمود ثروت وقته؟ وما الأشياء الصغيرة التي تمنحك التوازن وسط ضغط الحياة المهنية؟

أقضي وقتي غالبًا بين العائلة والعمل، وهذا بالنسبة لي من أهم الأولويات، كما أحرص على لقاء الأصدقاء والأصحاب في بعض الأيام، وزيارة الوالد حفظه الله والتواصل المستمر معه.

وأحرص دائمًا على تحقيق التوازن بين مسؤوليات المنزل والعمل والتواصل الاجتماعي، بحيث لا يكون هناك إفراط في أي جانب، فالقرب من الأبناء والعائلة، وصلة الرحم، والتواصل مع الأقارب والسؤال عن الأصدقاء، كلها أمور تمنحني توازنًا واستقرارًا نفسيًا.

 هل لديك هوايات أو اهتمامات قد لا يعرفها كثيرون عنك؟

من أبرز هواياتي السفر، وكذلك ممارسة لعب الرياضات الإلكترونية، وبالتحديد لعبة FIFA، حيث شاركت في بطولات عالمية في أعوام مختلفة، وكنت مدير الفريق السعودي في إحدى بطولات كأس العالم، وكانت تجربة مميزة وتحمل مسؤولية كبيرة، بالإضافة إلى حبي الدائم لتنظيم الفعاليات والمناسبات في هذا المجال.

دروس الحياة

 ما أهم درس تعلمته من تجربتك المهنية؟

عدم منح الثقة المطلقة لأي شخص، وأهمية التوازن في التعامل.

هل هناك نصيحة تلقيتها في بداية الطريق وما زالت ترافقك حتى اليوم؟

تعلمت أن أواجه التحديات وألا أتجنبها، لأن التحديات هي التي تصنع الفارق في تطور الإنسان.

ما الفكرة التي تغيرت لديك مع مرور السنوات؟

أصبحت أؤمن أكثر بأهمية التوازن في كل شيء، سواء في الجانب العملي في الحياة المهنية أو في الحياة الشخصية.

 لو عاد بك الزمن إلى بداية مسيرتك… ما النصيحة التي ستقولها لنفسك؟

أن أخوض التجارب بثقة أكبر، وأتعلم من كل تجربة دون تردد.

 ما القرار الذي شعرت بعده أنك كبرت سنوات في ليلة واحدة؟

قرار الانتقال للدراسة خارج المدينة وخوض تجربة الغربة كان من أكثر القرارات التي صنعت نضجي.

ما اللحظة التي شعرت فيها بالفخر الحقيقي في حياتك؟

من اللحظات التي شعرت فيها بالفخر مشاركتي في تمثيل المملكة في بطولات الرياضات الإلكترونية العالمية التي أقيمت في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك تحمل مسؤولية إدارة الفريق السعودي في بطولة عالمية، كما أن البطولة أصبحت تقام في المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة.

وكذلك من أهم لحظات الفخر في حياتي المهنية قيادتي لمنظومة عمل النقل في النقابة العامة للسيارات لمدة تجاوزت سبع سنوات، حيث كنا نعمل على تقديم خدمة للحجاج تليق برؤية المملكة 2030، ورؤية أثر العمل في دعاء ورضا الحجاج كان من أعظم ما يلامس الإنسان.

المستقبل

كيف ترى المرحلة القادمة من حياتك المهنية؟

أرى أنها مرحلة استمرار في التطور والتعلم، سواء في نفس المجال أو في مجالات جديدة.

ما الطموح الذي ما زلت تسعى لتحقيقه؟

تكوين فريق عمل مميز، وتطوير بيئة العمل، وتعزيز السمعة الإيجابية لأبناء المدينة المنورة.

قرار غيّر مسار حياتك؟

عدة قرارات، أبرزها التعليم، والغربة، واختيار التخصص، والتي شكلت مسار حياتي.

ماذا تقول للشباب الذين يقفون اليوم في بداية الطريق؟

كن صادقًا، ووازن بين الصراحة وحسن التعامل، وابتعد عن الكذب والخداع.

 ما النصيحة التي تعتقد أنها قد تختصر عليهم سنوات من التجربة؟

كن صادقًا مع الله ومع نفسك، واعمل في المجال الذي تحبه، وابتعد عن التملق والكذب.

وتذكروا أن المثل القائل “الغاية تبرر الوسيلة” يكون صحيحًا فقط إذا كانت الوسائل المستخدمة لا تتنافى مع ديننا ومبادئنا وأخلاقنا وقيمنا، حينها فقط يمكن القول إن الغاية تبرر الوسيلة.

أما إذا كانت الوسيلة تخالف ذلك، فهي ليست مبررة أبدًا، وقد تحقق نتيجة على المدى القريب، لكنها لا تنفع على المدى البعيد.

في سيرة مازن محمود ثروت، لا تقاس الرحلة بعدد المناصب، بل بعمق التجارب التي شكّلت ملامحها.

هي حكاية رجل آمن أن العمل ليس مجرد وظيفة، بل مسؤولية، وأن النجاح لا يُبنى بالاختصار، بل بالصبر والتراكم.

من المدينة المنورة بدأت الحكاية…

ومنها أيضًا يستمر الامتداد، بقيم ثابتة لا تتغير، ورؤية تنضج مع كل مرحلة.

مازن ثروت لا يقدّم نفسه كنهاية قصة،

بل كصفحة مفتوحة…

فيها ما تحقق،

وفيها ما يُكتب بعد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى