وهبة العطار… حين يتحوّل اللون إلى قصيدة والحرف إلى جناح

محمد منيع ابوزيد
في مملكة الضوء والظل، تقف وهبة العطار كروح لا تكتفي برؤية الجمال، بل تُعيد ابتكاره.
بين لوحاتها تختبئ حكايات النساء، وبين قصائدها يتنفس الجدار.
نلتقيها هنا في حوار لا يبحث عن إجابات جاهزة، بل عن إشراقات تولد بين سؤال ونَفَس.
إن وقفتِ أمام مرآة صامتة بلا ألوان ولا كلمات… من تكونين حين لا يراكِ أحد؟
ترى وهبة نفسها كما لا يراها أحد:
امرأة تقف وحدها لكنها تقف بقوة.
قلب يحمل ما لا يُقال، وروح تُقاوم بصمت.
ترى طفلتها القديمة تذكّرها بأحلام لم تكتمل، وترى امرأة ناضجة تعرف كيف تعود بعد كل انحناءة.
وفي عينيها شرارة لا تنطفئ… سرّ صبرها واستمرارها.
هكذا تظهر وهبة: قوية بهدوئها، رقيقة بعمقها، وتعرف طريقها حتى عندما تتعب.
هل التمرد موقف جمالي… أم فلسفة حياة عند وهبة؟
التمرد بالنسبة لها ليس زينة ولا لحظة عابرة.
هو طريقتها في النجاة مما لم تعد تشبهه.
لا تتمرد لخلق ضجيج، بل لتعيد روحها إلى مقاسها الحقيقي.
إنه فلسفة حياة… إعلان هادئ أنها اختارت أن تكون نفسها.
بين القصيدة واللوحة… أيهما وُلد أولًا فيك؟ وهل بينهما غيرة؟
القصيدة واللوحة توأمان ولدا بفارق نفس واحد.
ربما ولدت القصيدة أولًا لأنها الأسرع في الوصول، كالنبضة.
لكن اللوحة تلحق بها لتقول: “سأرسم ما لا تقولينه.”
لا غيرة بينهما… فقط تناغم:
إذا صمتت القصيدة، تقدمت اللوحة.
وإذا ارتبكت الألوان، نطقت الكلمات.
هما جناحان… وبعملهما معًا تولد وهبة.
بصمتك الفنية… كيف تتشكل داخلك قبل أن تُرى على القماش أو الورق؟
البصمة تبدأ في داخلها قبل أن تراها العين:
حدس يقود يدها،
هزة شعورية لا يحتملها الصمت،
جرأة تكسر الشكل المعتاد،
وصدق يرفض التزييف.
ثم تتحول إلى لوحة، أو قصيدة، أو شيء لا يشبه أحدًا إلا هي.
حين تختارين لونًا… هل تختارينه أنتِ أم يختارك اللون؟
القصة ليست قرارًا أحاديًا.
تمد يدها إلى اللون، ويلتفت اللون إليها.
أحيانًا تختاره، وأحيانًا هو يختارها لأنه يعرف ما تريد روحها قوله قبل أن تعرف هي.
كيف تكتبين حين تنسين أنك رسامة؟
تصبح الكتابة لوحة بلا فرشاة، لكن بروح كاملة:
الكلمات تنساب كاللون،
العاطفة تتسرب بين السطور،
والجمل تتحرك كخطوط أولى.
الكتابة هنا لا تصنع قصة فقط، بل تصنع حالة… شعورًا… نفسًا.
كيف تحافظين على صفاء الفنان في عالم سريع ومزدحم؟
بالصمت… دقائق يوميًا.
باختيار ما يدخل إلى داخلها بحذر.
بالاحتفاظ بمساحة تخصها وحدها،
والاستماع لنفسها قبل أي ضجيج خارجي.
الصفاء ليس هروبًا… بل حماية للمكان الذي تولد منه وهبة.
المرأة في أعمالك لا تظهر كرمز فقط… بل كذاكرة وصوت. ماذا تريدين أن تقولي عنها؟
المرأة بالنسبة لها:
زمن كامل تحمله داخلها،
وهمس لا يسمعه أحد،
ورؤية تشعر بما لا يُرى.
ليست جسدًا… بل تجربة كاملة.
حكاية لم تُكتب بعد، تنتظر من يلتقط صدى روحها الحقيقية.
لو لم تكوني فنانة ولا شاعرة… أين ستضعين نفسك؟
كانت ستبحث عن منفذ آخر لتقول نفسها:
صوتًا، أو حكاية، أو مساحة للناس.
لا تحتاج الفن لتكون… لكنها تحتاج نافذة تتنفس منها.
وأيًا كان شكل تلك النافذة… كانت ستخلقها.
بعد كل لوحة تُنجزينها… ماذا تقولين لنفسك؟
تقف أمامها بصمت.
تنظر لروحها فيها وتقول:
“ها أنا… وها أنتِ… هكذا التقينا اليوم.”
ثم تترك اللوحة حرة… كما تترك نفسها حرة.
فكل لوحة ليست نهاية، بل فصل جديد في الرحلة.
في نهاية الحوار، تبتسم وهبة العطار كمن يغلق نافذة في السماء لا مقابلة على الأرض.
في عينيها لون لم يُكتشف بعد، وفي صوتها يقين أن الفن يُعاش قبل أن يُرسم.
وهكذا تتركنا كما بدأت… دهشة تمشي على قدمين، وشاعرة ترسم العالم لتفهم قلبها.



