Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

أسماء عيسى… مَن تُنصت للفكرة قبل أن تمنحها صوتًا

محمد منيع ابوزيد

محمد منيع ابوزيد

في بعض المسارات المهنية، لا يكون السؤال الأهم هو: ماذا حقّقنا؟

بل: كيف وصلنا دون أن نفقد أنفسنا في الطريق؟

أسماء عيسى تنتمي إلى هذا النوع من التجارب التي لا تُختصر في لقب واحد، ولا تُقرأ من زاوية واحدة. حضورها الإعلامي لا يقوم على الاندفاع، بل على التراكم، وعلى قناعة داخلية بأن الصوت حين يُمنح دون وعي يفقد قيمته، وحين يُستخدم بفكرة يصبح أثرًا.

بين الإذاعة والتلفزيون، وبين الفن والتصميم، نسجت أسماء عيسى مسارًا يبدو للوهلة الأولى متنوعًا، لكنه في العمق شديد الاتساق. مسار يؤمن بأن الإعلام ليس أداءً لحظيًا، بل علاقة طويلة الأمد مع الوعي، وأن السؤال الجيد أحيانًا أهم من الجواب السريع.

في هذا الحوار، لا نبحث عن محطات زمنية، ولا نعيد طرح أسئلة تقليدية. نقترب أكثر من المسافة التي تقف فيها أسماء عيسى بين الميكروفون والفكرة، بين الظهور والمسؤولية، وبين الشغف والانضباط.

• متى أدركتِ أن الصوت الذي نملكه قد يكون أداة بناء بقدر ما يمكن أن يكون أداة استهلاك؟ وكيف غيّر هذا الإدراك علاقتك بالإعلام؟

أدركت ذلك مبكرًا، لكن وعيي به تعمّق مع الوقت. في البدايات يكون الحضور الإذاعي هو الهدف، ثم تكتشف أن الحضور بلا معنى قد يكون عبئًا لا قيمة له.

حين فهمت أن الصوت قد يُبنى به وعي أو يُستهلك به انتباه الناس فقط تغيّرت علاقتي بالإعلام، صرت أكثر حذرًا في ما أقدّمه، وأكثر وعيًا بأن كل ظهور هو مسؤولية، وليس مجرد فرصة لسماع صوتي.

• الإذاعة حاضرة دائمًا في حديثك بوصفها محطة تأسيس… ما الذي تعلّمك إياه العزلة الصوتية ولا تمنحك إيّاه الصورة؟

الإذاعة تعلّمك الصدق.

حين تغيب الصورة لا يبقى لك إلا الفكرة والنبرة والقدرة على الإصغاء الحقيقي والقدرة على إيصال صوتك الصادق بتعابير غير مرئية. لا يمكنك الاحتماء بتعابير وجه أو حركة يد.

العزلة الصوتية تجبرك على أن تكون حاضرًا بالكامل وأن تصغي لا لترد بل لتفهم، وهذا درس لا يمنحك إيّاه التلفزيون بسهولة.

• في رأيك، هل يولد المذيع وهو يعرف كيف يُنصت، أم أن الإصغاء مهارة تُكتسب مع الوقت والخطأ؟

لا أحد يولد مُنصتًا.

الإصغاء مهارة تُبنى وغالبًا عبر أخطاء مؤلمة حين تقاطع أو تفوّت لحظة صادقة أو تشعر لاحقًا أن سؤالًا لم يُقال في وقته… هنا تتعلّم.

مع الوقت تفهم أن الإصغاء ليس صمتًا فقط بل استعداد داخلي لاحترام ما يُقال.

• تنقّلك بين مجالات متعددة كالإعلام والفن والتصميم، هل هو بحث عن تكامل داخلي، أم محاولة لفهم العالم من زوايا مختلفة؟

هو الاثنان معًا.

أنا لا أتنقّل هربًا من شيء بل بحثًا عن الشغف والاكتمال داخلي. كل مجال يضيف لي زاوية رؤية مختلفة ويعلّمني لغة جديدة لفهم الناس والعالم.

التنوّع بالنسبة لي ليس تشتيتًا بل اتساق أعمق مما يبدو، وتنويعي يعطي أيضًا مجالًا لأكون قدوة لبناتي بأن الحياة ليست فقط وظيفة وراتب، وإنما طموح وهدف وشغف.

• كيف يؤثر الحس الفني والذائقة البصرية على صياغة الأسئلة، واختيار المفردة، وبناء الحوار؟

الفن يعلّمك الاقتصاد في التعبير، فالتعبير يكون فقط من خلال اللون.

كما أن اللوحة لا تحتمل ضجيجًا زائدًا، السؤال الجيد لا يحتمل حشوًا بلا فائدة.

الذائقة البصرية تجعلني أبحث عن سؤال واضح يفتح مساحة ولا يفرض اتجاهًا.

الحوار بالنسبة لي بناء متوازن وليس استعراضًا لغويًا، والحوار هدفه إبراز الضيف في مجاله وتخصصه، فالسؤال الواضح بالحوار بدون مبالغة يعطي للضيف مساحته وحريته بالإجابة.

• متى تشعرين أن السؤال فقد قيمته؟

يفقد السؤال قيمته حين يُطرح دون نية فهم.

لا بد من التحضير المسبق وفهم الأسئلة.

حتى السؤال البسيط قد يكون عميقًا إذا كان صادقًا، والعكس صحيح.

الأسئلة المتوقعة ليست مشكلة بحد ذاتها، المشكلة حين تكون بلا روح أو بلا رغبة حقيقية في الإصغاء للإجابة.

ومجرد الرغبة في إلقاء الأسئلة، من حق الضيف أن يتلقى الاهتمام الكامل بالأسئلة وبالإصغاء التام لأجوبته.

• في التجربة الحوارية، أين تقفين من فكرة “المذيع النجم”؟

أنا لا أؤمن بالمذيع النجم داخل الحوار.

الحوار ليس ساحة لإثبات الحضور بل مساحة لظهور الفكرة والضيف.

الحضور القوي لا يعني السيطرة بل القدرة على إدارة المساحة بذكاء واحترام وجود الضيف وإبرازه وتسليط الضوء عليه سواء إذاعيًا أو تلفزيونيًا.

المذيع يكون نجمًا إذا كان الضيف في نهاية الحلقة سعيدًا بإدارة المذيع للحوار.

• كيف تُديرين المسافة بين الشغف المهني والالتزام الصارم بالمعايير؟

أفصل بين الإحساس والتنفيذ.

أحب عملي لكن لا أترك الشغف يقودني على حساب المهنية.

المعايير هي ما يحمي الشغف من الاحتراق ويمنحه الاستمرارية.

حين يتحوّل الشغف إلى عمل يومي، الانضباط يصبح ضرورة لا خيارًا، لكن نحتاج الراحة بين فترة وأخرى حتى لا يتأثر الشغف.

• في مسيرتك، هل مررتِ بلحظة شعرتِ فيها أن الصمت كان أكثر تعبيرًا من أي سؤال؟

نعم، كثيرًا.

أحيانًا تشعر أن السؤال سيكسر لحظة صادقة أو يسرّع اعترافًا لم يكتمل.

في تلك اللحظات الصمت ليس فراغًا بل احترام، وأحيانًا يكون الصمت هروبًا.

للصمت معانٍ كثيرة في حياتي.

• حين تُقدّمين برنامجًا، ما الذي يشغلك أكثر: شكل الحلقة أم أثرها بعد انتهائها؟

أثرها قبل انتهائها وبعد انتهائها.

الشكل مهم لكنه مؤقت، الأثر هو ما يبقى وهو ما يحدد قيمة ما قُدّم.

أسأل نفسي دائمًا: ماذا سيبقى مع المشاهد بعد أن تُطفأ الكاميرا؟

أثرها قبل انتهائها مع فريق العمل؛ مصورين، معدّين، إضاءة، مخرج، ستاف كامل.

أحرص أن أكون أنيقة وراقية بتعاملي معهم أثناء التصوير، إذا ارتاح الفريق بتعاملي وقدّرت مجهودهم وتعبهم سينعكس ذلك إيجابًا على الحلقة.

وأيضًا الضيف أثناء تصوير الحلقة لا بد أن يشعر بالراحة التامة، وبالتالي سيصل الأثر بعد العرض على الشاشة مكتملًا للمشاهد من جميع النواحي.

• كيف تنظرين إلى فكرة النجاح في الإعلام اليوم؟

النجاح الحقيقي هو أن تبقى دون أن تفرّغ نفسك، وأن تتطور دون أن تفقد هويتك.

الاستمرارية بالنسبة لي معيار أدق وأصدق.

• ما المفهوم الذي تغيّر لديك مع الوقت عن العمل الإعلامي؟

تأكّد لي مع التجربة أن الجرأة لا تحتاج إلى صوت عالٍ، بل إلى وضوح واحترام للفكرة.

الهدوء بالنسبة لي ليس تراجعًا بل طريقة واعية تمنح السؤال قيمته وتُبقي الرسالة صادقة.

• لو افترضنا أن الإعلام رسالة طويلة العمر، ما الدور الذي ترغبين أن يُقال إن أسماء عيسى أدّته فيها؟

أتمنى أن يُقال إنني قدّمت إعلامًا يحترم الوعي، سواء عبر الشاشة أو الإذاعة، وأن حضوري لم يكن مرتبطًا بشكل أو منصة بل بقيمة ما يُقال وأثره.

أن أكون حاضرة بالفكرة قبل الصوت وبالمسؤولية قبل الظهور.

• ما الذي لم يظهر للعلن في مسيرتك، لكنه كان الأساس فيما وصلتِ إليه اليوم؟

ما لم يظهر للعلن في مسيرتي هو الانضباط اليومي والعمل الهادئ خلف الكواليس، والدعم العميق الذي تلقيته من والدي رحمه الله، ومن والدتي حفظها الله، إلى جانب القدرة على عدم الانكسار أمام الآراء السلبية.

هذا الأساس رافقني ليس فقط كإعلامية، بل كفنانة تشكيلية ومصممة ديكور في سعيي للنجاح بكل شغفي، والسبب الأهم لكل ذلك أن أكون قدوة لبناتي، وأن أكون إنسانة يفتخر بها كل من وقف إلى جانبي وآمن بي.

لا تخرج أسماء عيسى من الحوار كما دخلته.

تترك خلفها أثرًا هادئًا، يشبه الأصوات التي لا ترفع نبرتها لكنها تغيّر اتجاه السمع.

في زمن يتسابق فيه الإعلام على السرعة والضجيج، تقف أسماء في الجهة الأخرى، حيث المعنى قبل الانتشار، والوعي قبل الظهور، والإنصات قبل الكلام.

لا تقدّم إجابات جاهزة، ولا تبحث عن تصفيق، بل تضع السؤال في مكانه الصحيح، ثم تترك له الوقت الكافي لينضج.

هكذا تبدو تجربتها:

إعلام لا يستهلك اللحظة، بل يحترمها.

وصوت لا يفرض نفسه، لكنه يُتذكَّر.

ربما لهذا، حين تنتهي الحلقة، لا تشعر أن الحوار انتهى…

بل تشعر أن فكرة ما بدأت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى