إنجاز وطن.. حين تتوّج الموهبة باسم السعودية

منى يوسف حمدان الغامدي
عاد الطالب الموهوب أنس طلال ملوش إلى أرض الوطن متوشحًا بالذهب، بعد فوزه بالميدالية الذهبية في معرض سيؤول الدولي للاختراعات SIF2025، في مشهد يختصر الكثير من المعاني، ويجسّد المكانة التي باتت تحتلها الموهبة السعودية على منصات الابتكار العالمية. إنجاز يؤكد بوضوح أن الاستثمار في العقول هو الرهان الرابح، وأن المستقبل يُصنع بالفكرة قبل الحجر.
هذا الفوز لم يكن نجاحًا فرديًا عابرًا، بل ثمرة منظومة وطنية متكاملة، تبدأ من قيادة رشيدة آمنت بالإنسان قبل البنيان، وجعلت من التعليم والابتكار ورعاية الموهبة محورًا أساسيًا في رؤية المملكة 2030، مرورًا بمؤسسات تعليمية حاضنة للإبداع، وانتهاءً بأسرة واعية تؤمن بقدرات أبنائها وتدعم أحلامهم حتى تبلغ مداها.
وفي عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قائد الرؤية وعرّابها، أصبح دعم الموهوبين خيارًا استراتيجيًا لا ترفًا مؤقتًا. وما حققه الطالب أنس، من مدارس منارات المدينة المنورة، وبدعم مباشر من الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنورة، ومتابعة حثيثة من قسم الموهوبين بقيادة الأستاذة غادة الحويطي، يعكس هذا التوجه الوطني بوضوح.
وبحكم تجربتي المهنية، وتشرفي بالعمل معها سابقًا في إدارة التعليم، ثم زمالتنا لاحقًا في قسم الموهوبات، وما تحقق من إنجازات مشتركة في تعليم ينبع عبر سنوات طويلة، كان أول ما بادرت به عند وصول الخبر هو التواصل معها وتهنئتها من القلب، تعبيرًا عن فخري واعتزازي بجهودها، وقناعتي العميقة بأن لكل مجتهد نصيبًا، وأن “ليس للإنسان إلا ما سعى، وأن سعيه سوف يُرى”، وأن الله جل في علاه لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
لقد تحقق هذا الإنجاز الوطني في بيئة تعليمية محفزة، تقودها قيادات واعية، وتدعمها برامج نوعية، ومشاركات دولية مدروسة، أتاحت للطلبة الموهوبين تحويل أفكارهم إلى مشاريع بحثية وابتكارية تنافس عالميًا، وتثبت قدرتهم على الحضور في أكبر المحافل العلمية.
ولا يمكن الحديث عن هذا الفوز دون الإشادة بالدور المحوري للأسرة، التي تسهم في اكتشاف الموهبة مبكرًا، وتغرس الثقة والطموح في نفوس الأبناء، إلى جانب دور المؤسسات التعليمية والجامعات التي وفرت الإشراف العلمي والدعم البحثي، وربطت المعرفة النظرية بالتطبيق العملي، ليخرج الابتكار في صورة ناضجة تستحق التتويج.
ويُعد معرض سيؤول الدولي للاختراعات (SIF) من أبرز المعارض العالمية المتخصصة في مجال الابتكار، إذ يستقطب سنويًا مئات المخترعين والباحثين من مختلف دول العالم، وتُقيّم المشاركات من قبل لجان تحكيم دولية وفق معايير دقيقة تجمع بين الأصالة، والقيمة العلمية، وقابلية التطبيق. والفوز فيه بميدالية ذهبية يمثل شهادة دولية على جودة الابتكار وتميزه.
وهنا تُكتب كلمات تُسجَّل للتاريخ عن تعليم المدينة المنورة، الذي أثبت أنه يصنع الفارق. فقد جاء هذا الإنجاز نتيجة عمل مهني ووطني متقن من إدارة الموهوبين، شمل إشرافًا تربويًا وعلميًا احترافيًا، ومتابعة دقيقة أسهمت في تأهيل الطلبة للمشاركات الدولية، وتوفير بيئة داعمة تنمّي قدراتهم البحثية والابتكارية، ليكونوا سفراء للوطن في المحافل العالمية.
ومن واقع خبرتي، فإن العمل في هذا المجال عمل شاق ومضنٍ، يستغرق وقتًا وجهدًا يتجاوزان حدود الدوام الرسمي. فنحن في الميدان التعليمي لا نقيس العطاء بالساعات، بل نعمل بعقولنا ونُجنّد أوقاتنا لطلابنا وطالباتنا، إيمانًا بأن التعليم رسالة سامية ومسؤولية وطنية عظيمة، وما عند الله خير وأبقى، ولن يضيع جهد ولا يُنسى عطاء.
وذهبية أنس طلال ملوش ليست مجرد ميدالية، بل رسالة وطن تؤكد أن أبناء المملكة حاضرون في ميادين العلم والابتكار، وأن التعليم السعودي يسير بثبات نحو العالمية، وأن رعاية الموهبة أصبحت ثقافة وطنية راسخة.
فكل التهاني والتبريكات لطالب الوطن أنس، ولأسرته، ولمعلميه، ولكل من أسهم في هذا الإنجاز، وللوطن الذي يزرع فيحصد فخرًا، ويمضي بثقة نحو المستقبل.


