لقاء خاص مع الكاتب فراس جبران… صوتٌ يكتب ما يشبهه

محمد منيع ابوزيد
في وطنٍ يتشابك فيه الإبداع مع الألم، وتولد الحكايات من شقوق الأيام، تظهر أصوات نادرة لا تبحث عن الضوء، بل تخلق ضوءها الخاص. أصواتٌ تكتب بصمت، وتبني أعمالاً لا تحتاج إلى حضور إعلامي كي تُثبت وجودها. في مقدمة هذه الأصوات يأتي فراس جبران… الكاتب، والشاعر الغنائي، والمخرج، وصاحب البصمة التي تركت أثراً واضحاً في الدراما اللبنانية والإذاعة والكلمة الغنائية.
هو واحد من الذين لا يشبهون أحداً، ولا يحاولون ذلك. يكتب كمن يلتقط نبض الناس، ويؤلف كمن يعيد ترتيب الخراب في الداخل، ويوقّع أعماله بروح صادقة تُشبه حكاياتنا جميعاً. كتب لرويدا عطية، وجوزيف عطية، وأدهم نابلسي، وزياد برجي، ومحمد المجذوب، ويسرا محنوش، وكثير من الأصوات العربية التي وثقت بحسّه وفرادته. صنع نجاحات في الإذاعة والدراما، وترك أثراً يصعب تجاهله… رغم ابتعاده المتعمّد عن صخب الظهور.
في هذا اللقاء، نفتح معه مساحة نادرة… يروي فيها ما لم يقله من قبل: عن بداياته، مخاوفه، انتصاراته الصامتة، وعن تلك المسافة الدقيقة بين الإنسان والفنان.
البدايات والهوية الفنية
1. لكل بداية شرارة… ما الشرارة التي جعلتك تكتب أول نص في حياتك؟
في الحقيقة، لا أذكر تحديداً أول نص كتبته، لأنني أكتب منذ طفولتي. كتبت المسرحيات للمدرسة ولنشاط الكشّافة. وأذكر أيضاً أني ألّفت أول كتاب لي بعمر العاشرة، كان قصة بالفرنسية ووالدي شجعني وطبع لي مجموعة منها ووزعتها في المدرسة.
2. درستَ التمثيل والإخراج، لكنك اخترت الكتابة… هل كان ذلك قدراً أم قراراً؟
لم يكن حينها في الجامعة اختصاص للسيناريو، فاخترت التمثيل والإخراج لأنه يتضمن كتابة السيناريو. أبداً لم يكن صدفة أو قدراً، بل كان قراراً حاسماً بالتفرغ للكتابة، وأنا أرى أن الكتابة بحاجة لما يشبه الرهبنة، التفرّغ والإخلاص.
3. متى اكتشفت أن صوتك الحقيقي ليس في الأداء، بل في الحكاية؟
في الأداء نقول ما نراه، ولكن في الحكاية نجعل الناس ترى معنا. لا أخفي عليك، بعد تخرجي من كلية الفنون شاركت في مجموعة أعمال تلفزيونية لأنني أحب التمثيل، ولكن كنت أشعر بعد عرض كل حلقة أنني مُراقب من الناس. أينما أذهب أجد الجميع ينظر إليّ ويتهامس مع من معه: (مش هيدا فلان؟). الشهرة لا تستهويني ولا أحبها. أما الكتابة، فالاسم هو من يكبر ويشتهر. فمنذ صغري، مثلاً، وأنا أحب وأقرأ لجورج أورويل ولم أعرف شكله إلا منذ سنوات قليلة. في الكتابة متعة خاصة، لا توجد أي كلمة في اللغة قادرة على وصف السعادة والمتعة التي تجتاح الكاتب أثناء الكتابة. ولماذا أكتب؟ أنا أكتب لأتكلم، الكاتب هو “الحكوجي” الصامت، وفرصة أن تتكلم مع أناس عددهم غير محدود كأنك مختبئ وراء ستارة وتكتب، وبعدها تفتح الستارة وتجد جميع الناس تشاهد وتسمع وتقرأ ما كتبته، وهذا شيء عظيم جداً. فرصة كبيرة أن تقول كل ما في داخلك وكل القصص والتجارب والخبرات لأكبر كم من البشر، فتعوّض غيابك الحيّ عن الوجود.
4. على سيرة جورج أورويل.. ما أكثر شيء قرأته وأحببته له؟
دون أدنى شك، هي رواية “1984”. العمل ليس مجرد قصة ذات حبكة بوليسية مثيرة، بل هو تحذير تجاوز زمن كتابته. عظمة أورويل تكمن في أنه لم يكتب رواية عن المستقبل، في “1984”، لم أجد متعة الرواية بقدر ما وجدت مرآة تقشعر لها الأبدان. نحن اليوم نعيش بشكل فاق الـ “1984” خوفاً، حيث لا نحتاج إلى شاشة عملاقة تراقبنا، لأننا حملنا “الأخ الأكبر” طواعيةً في جيوبنا (أجهزة الموبايل)، وصرنا نطوّر ونُغذّي آليات قمعه بأنفسنا. أورويل لم يتنبأ بالتكنولوجيا، بل تنبأ بانهيار اللغة، وهذا هو جوهر العبقرية. فهو أشار إلى خطر تحويل اللغة إلى “لغة جديدة” (Newspeak)،الرواية تشرح كيف تُصبح الحقيقة مرنة قابلة للمحو، وكيف تُصبح الأكاذيب المُتفق عليها هي “الواقع” الوحيد المتاح. هذا ما نعيشه اليوم في عصر “الأخبار الزائفة” (Fake News) وتلاعب الخوارزميات. إنها ليست عظيمة لجمالها الأدبي فحسب، بل لأنها تُجبرك على مراجعة كل قناعاتك ، وحول ما إذا كنا نعيش في عالم حقيقي أم في عملية محاكاة متقنة تُدار بأيدي من يملكون أزرار الماضي والحاضر.
المحور الثاني: الدراما والإذاعة… بين النص والصوت
5. يقال إنك من القلائل الذين أعادوا الجمهور إلى المسلسل الإذاعي. ما سرّ تعلقك بهذا الفن؟
لأنه غير مرتبط بشروط شركات الإنتاج. آخذ راحة وحرية تامة في الكتابة مثلما أفعل في الرواية المكتوبة. دائماً في التلفزيون هناك قيود إنتاجية مثل أماكن التصوير المحدودة، ضرورة تجنب التنقل في السفر، تجنب بعض الأماكن التي يصعب الحصول على التراخيص للتصوير فيها، الحوادث “الهوليودية”، وغيرها.
6. قدّمت أعمالاً بارزة مثل “جود” و“الحرام” و“فوبيا”. أي عمل منهم شكّل منعطفاً في مسيرتك؟
لكل عمل نكهة وقصة وظروف وذكريات، وهناك الكثير غيرهم أيضاً، ولكن ما شكّل منعطفاً في مسيرتي التي أصبحت تمتد لـ 30 عاماً، هو تعدد هويتي الفنية. فأنا لست فقط مسلسلات تلفزيونية، ولا برامج ومسلسلات إذاعية، ولا كتب أو روايات، ولا أغانٍ أو ألحان، ولا حتى لوحات رسم أو منحوتات. أنا مجموع كل هذا.
7. هل صحيح أن القيد الإنتاجي هو الخصم الأكبر للكاتب اليوم؟
جداً. فأنا وسائر الكتّاب، حين نكتب، يكون صوت المنتج في آذاننا وكأنه حقاً معنا. في لبنان مثلاً، بعض الشركات تدفع للممثل على الحلقة، فإذا كان للممثل النجم مشاهد قليلة في الحلقة، يتذمر المنتج لأنه سيضطر أن يدفع له أجر حلقة كاملة وهو صوّر فقط مشهداً أو اثنين، وكذلك الأمر في أماكن التصوير. باختصار، حياة الكاتب مقسومة نصفين: النصف الأول هو المتعة في الكتابة، والنصف الثاني هي المنغصات. وعلى فكرة، المنغصات مفيدة، فهي لا تشعر الكاتب بالأمان، فالشعور بالأمان للكاتب لا يولّد إبداعاً في الكتابة.
المحور الثالث: الكتابة الغنائية… بين الإحساس والصوت
8. كتبت لكبار الفنانين: رويدا عطية، وجوزيف عطية، وأدهم نابلسي، وزياد برجي، ومحمد المجذوب، وغيرهم… أي صوت حرّضك فعلاً على كتابة نص مختلف؟
ولا أحد، لأنني لا أكتب لهم، بل أكتب لي، وبعدها الفنان يسمع النص ويختاره.
9. ما اللقطة الحياتية أو التجربة التي تكتب منها عادة؟
حسب، في الأغاني أميل للكتابة في فترة الحزن أو فترة الاشتياق أكثر شيء. أما في السيناريو أو الكتاب، فالموضوع يختلف كلياً. يمكنني أن أكتب في أي وقت وأي يوم، “ما في شي اسمه وحي أو إلهام، الخيال مثل العضلة لازم يتمرّن كل الوقت”. وأنا أقول لكل كاتب جديد: “الكتابة هي التي تستدعي المزاج الجيد، وليس المزاج الذي يستدعي الكتابة”.
10. ما الأغنية التي تشعر أنها الأقرب إلى فراس جبران الإنسان؟
حالياً أغنية “مليون أنا” التي صدرت منذ أيام، وهي أولى أغنيات ألبومي الجديد. اخترت لها صوت شاب مصري جديد اسمه كروان حجاج، صوته رائع وإحساسه قوي، ومن توزيع المايسترو أسامة النبر.
المحور الرابع: علاقات وتعاونات
11. قيل إن الراحلة ذكرى أطلقت عليك لقب “المجنون”. لماذا؟
ذكرى – رحمها الله – كانت صديقة عزيزة ولها في قلبي مكانة خاصة. عرفتها عندما كنت في سن الثامنة عشرة، وكنت مليئاً بالنشاط والتسرّع والحماس. كانت حركاتي وتصرفاتي تضحكها. لا أدري صراحة، ربما لأني كنت حقاً مجنوناً بصوتها.
12. كان بينك وبين الملحن الراحل رياض الهمشري مشروع لم يكتمل… ماذا بقي من تلك التجربة؟
بقي فقط تسجيل بصوته وهو يدندن اللحن على العود، أسمعه كلما اشتقت لرياض.
13. من الفنان الذي تحلم أن تكتب له عملاً ولم يحدث ذلك بعد؟
ليس هناك اسم أحلم بالتعامل معه، بل هناك صوت جميل أبحث عنه كل يوم وفي كل عمل أرغب في تقديمه.
المحور الخامس: الدراما اللبنانية اليوم
14. برأيك… لماذا لا تظهر وجوه تمثيلية شابة كما يحدث في تركيا مثلاً؟
في كل عمل درامي أقدمه، أحرص على تقديم وجوه جديدة، فقد قدمت الكثير من الوجوه، منهم من أصبحوا نجوماً في الصف الأول في الدراما العربية، مثل زياد برجي ووسام حنا وغيرهم. ولكن بالمقارنة مع تركيا ليس الأمر سهلاً بسبب غزارة الإنتاج التركي. أعطني ربع الإنتاج التركي وستشاهد وجوهاً شابة أراهنك على نجوميتها.
15. ما الذي ينقص الدراما اللبنانية فعلاً؟ النص؟ الإنتاج؟ الجرأة؟
الإنتاج. فشركات الإنتاج اليوم جيدة ومجتهدة ولكنها قليلة.
16. هل الرقابة الفنية ما زالت قيداً يفرض على الكاتب تغيير الحقيقة؟
الكاتب المحترف لا يتعرض لمضايقات رقابية، لأن من أساسيات الاحتراف هو الرقابة الذاتية التي تكون متشددة أكثر من أي رقابة أخرى. وهنا التحدي.
المحور السادس: الفلسفة الخاصة… الإنسان قبل الكاتب
17. في أحد تصريحاتك قلت: “الذين يتزوجون الحرية لا تعجبهم أي سيدة”… ماذا كنت تقصد؟
أستخدم هذه العبارة دائماً لأهرب من سؤال: “لماذا لم تتزوج بعد؟”. فأنا بصراحة أشعر أن مسؤولية الارتباط ستأخذ من طاقتي في الكتابة. الكتابة والزواج لا أجدهما يتفقان أبداً.
18. ما أكبر درس علّمك إياه الألم؟
أن الألم ليس نقيض الإبداع، بل مادته الخام. علمني أن أكبر درس هو الصمت في مواجهة الخسارة، لأن الكلمات تضيع معناها أمام عمق الشعور. الأهم: علمني أن الإنسان أقوى مما يتخيل، وأن النبض الحقيقي للحياة يبدأ بعد أن تظن أن كل شيء قد انتهى.
19. ما الذي تخاف أن تخسره اليوم؟
الخوف الأكبر هو أن أفقد الشغف في الكتابة، أو أن تصبح الحكاية مجرد مهنة روتينية. الخوف ليس من خسارة النجاح، بل من خسارة الدهشة التي تجعلني أكتب، وخسارة الصدق الذي يربطني بقرائي. أخشى أن أكتب ما لا يشبهني.
20. هل تشعر أحياناً أن أعمالك تُحب أكثر مما تُحب أنت شخصياً؟
وهل هناك أجمل من أن نرى الناس تحب أعمالك؟ فأعمالي هي أنا، وإذا الناس أحبت أعمالي، فيكون هذا فضلاً من عند الله تعالى.
المحور السابع: المشاريع القادمة
21. تعمل حالياً على مسلسل جديد… ماذا يمكن أن تخبرنا عنه؟
لا أستطيع البوح كثيراً عنه أو الكشف عن اسمه أو اسم الممثلين، ولكنه دراما نفسية بامتياز، مأخوذ عن إحدى رواياتي المنشورة. كما أعمل أيضاً على تقديم كتاب جديد بعد كتاب “حديد للبيع”.
22. ما الذي ميّز رواية “حديد للبيع” عن غيرها؟
“حديد للبيع” كتاب له مكانة خاصة في قلبي، لأنه ليس فقط رواية، بل هو وثيقة (Documentary) تحكي الحياة اللبنانية منذ أواخر الستينات حتى اليوم. قدمت فيه قصصاً ووثائق لا تجدها في مكان آخر، وكنت أول من تحدث عن قضية فضل شاكر، وسارة ابنة راغب علامة من زواجه الأول في الوقت الذي نفى راغب الزواج من الأصل. كما تحدثت فيه عن قصة الراحلة الصديقة سوزان تميم، والشاعر سعيد عقل، وغيرها من القصص الكثيرة ضمن رواية من نوع آخر.
23. هل ستتحول أعمالك الإذاعية إلى مسلسلات تلفزيونية في المستقبل؟
سبق وحوّلت مسلسل “الحب القديم” إلى التلفزيون، وكان هذا بطلب من المنتج. ولكن أنا أُفضّل في كل فرصة إنتاجية جديدة تقديم قصة جديدة ومختلفة.
في نهاية هذا الحوار، تتأكد الحقيقة: فراس جبران ليس مجرد كاتب عابر في ذاكرة الفن، ولا حالة مؤقتة تولد من نجاح موسم ثم تختفي. هو صوتٌ يكتب بصدق، ويعيش خارج حسابات الشهرة، ويمنح كل عمل جزءاً أصيلاً من روحه. في كلماته عمقٌ لا يتقادم، وفي أعماله بصمةٌ لا تتكرر. بين الدراما والإذاعة والأغنية، يبقى فراس جبران أحد أكثر الأصوات اللبنانية رصانة وصدقاً، وأحد الذين حافظوا على جوهر الفن بعيداً عن ضوضاء الزمن.
هذا اللقاء ليس نهاية حكاية… بل بداية قراءة جديدة لصوتٍ يكتب الحياة كما هي: قاسية، جميلة، صادقة، ومليئة بما يستحق أن يُروى.



