العربية: قصة لغة حكمت المعرفة قبل أن تعرف الإنسانية العولمة

بقلم: محمد منيع أبو زيد
ليست اللغة العربية مجرد وسيلة للتواصل بين البشر، ولا أداة حيادية لنقل الأفكار من ذهن إلى آخر، بل هي واحدة من التجارب الإنسانية النادرة التي تحولت فيها اللغة إلى وعاء حضاري شامل، وإلى طريقة تفكير، وإلى نظام معرفي متكامل. بعض اللغات عاشت لأنها استُخدمت، وبعضها بقي لأنها حُفظت في النصوص، أما العربية فقد حكمت المعرفة لأنها امتلكت قدرة فريدة على احتواء الفكر، وصياغته، ونقله عبر الأزمنة دون أن تفقد روحها.
لم تولد العربية فجأة، ولم تظهر بوصفها لغة عالمية مكتملة الملامح، بل تشكّلت تدريجيًا في بيئة قاسية علّمت الإنسان أن يكون دقيقًا في قوله، مقتصدًا في عبارته، واعيًا بثقل الكلمة وأثرها. في المجتمع العربي القديم، لم تكن اللغة ترفًا ثقافيًا، بل أداة حياة. بالكلمة تُعلن الحرب، وبها يُعقد الصلح، وبها يُصان الشرف أو يُهدر. ومن هنا تحوّلت اللغة إلى سلطة رمزية، وأصبح الشاعر عقل الجماعة ولسانها، لا مجرد فنان يكتب للمتعة.
في تلك المرحلة المبكرة، نضجت العربية كلغة شفوية متقدمة على نحو استثنائي. كثرة مفرداتها لم تكن حشوًا لغويًا، بل انعكاسًا لحاجة واقعية إلى التفريق الدقيق بين الأشياء والمعاني. الصورة البلاغية لم تكن زينة، بل وسيلة حفظ ونقل في مجتمع يعتمد على الذاكرة. هكذا تشكّلت لغة قادرة على التكثيف والاختزال، وعلى حمل التجربة الإنسانية الثقيلة في عبارات قصيرة، لكنها مشحونة بالمعنى.
ثم جاءت اللحظة الفاصلة التي غيّرت مسار العربية إلى الأبد. مع نزول القرآن الكريم، دخلت اللغة مرحلة جديدة من الوجود. لم يكن النص القرآني إضافة لغوية فحسب، بل كان إعادة تشكيل عميقة لعلاقة العربية بذاتها. ثبّت بنيتها، وحفظ مفرداتها، ووحّد لهجاتها، ومنحها مرجعًا أعلى لا يتبدل. وللمرة الأولى في تاريخ اللغات، أصبحت لغة ما محفوظة بنص يُتلى كما كُتب، يومًا بعد يوم، عبر قرون طويلة دون انقطاع.
بهذا التحول، خرجت العربية من نطاقها الجغرافي، وتحولت إلى لغة رسالة عالمية. لم يعد تعلّمها شأنًا عربيًا محضًا، بل ضرورة لكل من أراد فهم النص المؤسس لهذه الحضارة. دخلت أمم مختلفة إلى فضاء العربية، وأسهمت في بنائها، وأضافت إليها من عقولها وتجاربها، دون أن تفقد اللغة توازنها أو هويتها. كانت العربية قادرة على الاستيعاب دون الذوبان، وعلى التوسع دون التفكك.
ومع اتساع الدولة الإسلامية، لم تبقَ العربية لغة دين فقط، بل أصبحت لغة إدارة ودولة. كُتبت بها المراسلات، وسُجلت بها القوانين، وأُديرت بها شؤون الحكم والمال. وحين عُرّبت الدواوين في العصر الأموي، تحولت العربية إلى لغة العمل اليومي في المجال العام، لا لغة العبادة وحدها. هذا التحول العملي العميق جعلها لغة حياة كاملة، ورسّخ حضورها في تفاصيل السياسة والاقتصاد والاجتماع.
بلغت العربية ذروة حضورها الحضاري في العصر العباسي، حين التقى الاستقرار النسبي بشغف المعرفة. لم تكن حركة الترجمة آنذاك مجرد نقل آلي للنصوص، بل مشروعًا فكريًا واسع الأفق. تُرجمت علوم الأمم الأخرى إلى العربية، ثم أُعيد التفكير فيها، ونُقدت، وطُوّرت، وأُعيد إنتاجها بلغة جديدة. هنا أثبتت العربية قدرتها على أن تكون لغة علم حقيقية، لا لغة بيان وأدب فقط.
في تلك المرحلة، كُتبت أعظم المؤلفات العلمية في الطب والفلك والرياضيات والبصريات والفلسفة بالعربية. لم تكن هذه الكتب شروحًا هامشية، بل إسهامات أصلية في مسار المعرفة الإنسانية. وحين بدأت أوروبا نهضتها، لم تبدأ من فراغ، بل من هذه المؤلفات، التي انتقلت إليها إما بالعربية أو مترجمة عنها. وهكذا، حكمت العربية مجال المعرفة لقرون طويلة، وكانت في قلب التاريخ العلمي العالمي قبل أن تظهر فكرة “العالم المعولم” بزمن بعيد.
ورغم هذا الامتداد العلمي، لم تفقد العربية بعدها الجمالي. ظل الشعر العربي مختبرًا مبكرًا للعقل، لا للخيال وحده. الوزن، والإيقاع، والصورة، والعلاقة الدقيقة بين الألفاظ، كلها كانت تدريبًا ذهنيًا صارمًا. حين قال عبدالقاهر الجرجاني إن المعنى لا يكمن في اللفظ منفردًا، بل في طريقة نظمه مع غيره، كان يضع أساسًا فكريًا سبق به كثيرًا من النظريات اللغوية الحديثة. وحين كتب المتنبي وأبو العلاء المعري، لم يكتبا للتسلية، بل للتفكير في الإنسان، والسلطة، والمصير، والوجود.
لغات كثيرة عظيمة عرفها التاريخ ثم اندثرت أو تحولت إلى لغات تراثية معزولة عن الحياة اليومية. العربية لم يحدث لها ذلك. لم تبقَ بدافع الحنين وحده، ولا لقداسة النص فقط، بل لأنها امتلكت مقومات البقاء: نصًا مرجعيًا ثابتًا، ونظامًا اشتقاقيًا مرنًا، وقدرة دائمة على توليد المعاني، واستمرارية تعليمية لم تنقطع. تغيّرت أساليبها، وتنوّعت مستوياتها، لكنها لم تنفصل يومًا عن جذورها.
في العصر الحديث، وُضعت العربية في موضع الاتهام. قيل إنها بطيئة، عاجزة، غير قادرة على مواكبة العلم والتقنية. غير أن هذه الاتهامات، عند التأمل، تكشف أزمة استخدام أكثر مما تكشف أزمة لغة. فاللغة التي حملت الدين، وبنت الدولة، وصاغت العلم، لا يمكن أن تعجز فجأة عن توصيف عالم جديد، وإنما يُعجزها الإهمال وغياب المشروع المعرفي الحقيقي.
واليوم، في زمن الذكاء الاصطناعي، تواجه العربية اختبارًا من نوع مختلف. فهي من أكثر اللغات تعقيدًا حاسوبيًا، بسبب غناها الاشتقاقي، وحساسيتها العالية للسياق، وتعدد مستوياتها الدلالية. غير أن هذا التعقيد ذاته يجعلها فرصة ثمينة لتطوير أنظمة قادرة على فهم المعنى لا الكلمة فقط. العربية لا تُربك الآلة عبثًا، بل تُجبرها على أن تتعلّم التفكير السياقي، وأن تقترب خطوة من الفهم الإنساني الحقيقي.
وفي الختام
من يتأمل تاريخ العربية، لا يرى لغة فحسب، بل يرى سيرة عقلٍ إنساني تعلّم كيف يسمّي الأشياء، ثم كيف يفسّرها، ثم كيف يعيد بناء العالم من خلالها. العربية لم تقل كلمتها الأخيرة بعد، وربما لم تبدأ فصلها الأهم إلا الآن، لأنها لغة لم تُخلق لتُحفظ في الذاكرة وحدها، بل لتظل أداة تفكير حيّة، كلما تغيّر العالم تغيّرت معه… دون أن تفقد نفسها.


