Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

حين يصبح الوعي مسؤولية… لا رفاهية

وسط ازدحام المنصّات وتضارب الأصوات، تتراجع قيمة الفكر أمام سرعة الرأي، ويعلو الضجيج على حساب الفهم. هنا يبدأ المجتمع في اختبار حقيقته: هل يملك وعيًا يحميه… أم ينجرف وراء فوضى لا تشبهه؟

بقلم / الراسية الطويرقي ✒️

لم يعد المجتمع بحاجة إلى صوتٍ أعلى، بل إلى بصيرة أعمق. فنهضة المجتمعات لا تقوم على الشعارات، بل على العقول التي تدرك أثر الكلمة، ومسؤولية الموقف، وثمن الصمت حين يصبح الكلام واجبًا.

إن أخطر ما يُهدد المجتمعات اليوم ليس الفقر ولا الأزمات الاقتصادية، بل التراجع الخفي في الوعي الاجتماعي. فعندما يصبح التعدّي «مزاحًا»، والتنمّر «حرية رأي»، والتشهير «نصيحة»، نكون قد بدأنا نخسر قيمنا دون أن نشعر. فالمجتمع يُبنى بأخلاق أفراده قبل أن يُدار بقوانينه.

الأسرة هي المعلم الأول، والمشهد الأول الذي يتشكل فيه وعي الطفل تجاه العالم. التربية ليست أوامر تُلقى، بل قدوة تُرى. ليست صراخًا، بل توازنًا. ليست خوفًا، بل أمانًا. حين يرى الطفل والديه يختلفان باحترام، يتعلم أن الخلاف لا يعني كسرًا، وأن الرأي لا يحتاج إلى قسوة ليصل.

أما مواقع التواصل الاجتماعي، فقد منحت الجميع منابر، لكنها لم تمنحهم وعيًا متساويًا. البعض بات يتعامل مع السمعة وكأنها مادة ترفيه، ومع أخطاء الآخرين وكأنها فرصة للنيل منهم. ننسى أن كلمة واحدة قد تُقيم إنسانًا أو تهدم سنوات من ثقته بنفسه.

الوعي الاجتماعي لا يعني ادعاء الكمال، بل الاعتراف بأننا نُخطئ وأننا مسؤولون عن أثر أخطائنا. أن ندرك أن الإنسان قد يحمل وجعًا لا نراه، ويواجه معارك لا يخبر بها أحدًا.

المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، بل تتآكل حين يُصبح الأذى عاديًا، والاحترام استثناءً، والرحمة ضعفًا. أحيانًا، تكون أعظم القوة في اللين، وأسمى الوعي في اختيار الخير رغم القدرة على العكس.

وفي النهاية… المجتمع يبدأ من الفرد: من حديثه، من احترامه للاختلاف، من رحمته بالضعيف، ومن صدقه مع نفسه قبل الآخرين. فالوعي ليس فكرة نرددها، بل سلوك نعيشه، وخيار نمارسه كل يوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى