Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

مدن التعلم في طيبة

تجربة وطنية ورسالة حضارية تتجاوز المكان إلى العالم

بقلم : منى يوسف حمدان الغامدي

بقلم : منى يوسف حمدان الغامدي

في زمن تتسارع فيه التحولات المعرفية، وتتصاعد فيه رهانات التنمية البشرية، لم تعد المدرسة جدراناً تحتضن الحصص الدراسية فحسب، بل أصبحت مركزاً نابضاً للتعلم مدى الحياة، ومختبراً اجتماعياً لصناعة الوعي وبناء الإنسان. ومن هذا المنطلق، تمضي الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنورة بخطى واثقة في تفعيل مبادرة مدن التعلم بوصفها إطاراً حضارياً يعيد تعريف دور التعليم في خدمة المجتمع، ويجعل من المعرفة جسراً للتنمية المستدامة.

وقد حظيت هذه المبادرة بدعم كريم ورعاية مباركة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان أمير منطقة المدينة المنورة، الذي جسّد دعمه بتدشين شعار مدن التعلم في المدينة المنورة، إيماناً من سموه بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن المدينة التي تحتضن المسجد النبوي الشريف جديرة بأن تكون نموذجاً عالمياً معرفياً وقيمياً ومهارياً بمعايير جودة عالية وفائقة الجودة والإتقان.

إن مفهوم مدن التعلم وفق أطر اليونسكو، يقوم على تعزيز التعلم مدى الحياة، وتوسيع فرص التعليم النظامي وغير النظامي، وتكامل الجهود بين المؤسسات التعليمية والمجتمعية. وفي هذا السياق، أثبت تعليم المدينة المنورة تميزاً في تحقيق معايير جودة التعليم، من خلال مخرجات تعليمية نوعية، وبرامج تستجيب لحاجات المجتمع، وتُفعل مرافق المدارس لخدمته خارج أوقات الدوام الرسمي، في مشهد يعكس كفاءة الإدارة وفاعلية الشراكات.

ومن نماذج المدارس المضيئة في هذا المسار تجربة مدرسة ثانوية الأميرة نورة بنت عبدالرحمن الفيصل بقيادة المديرة المتميزة أ. هدى السميري، والحاصلة على جائزة التربوي المتميز في جائزة الشيخ حمدان بن راشد للأداء المتميز. هذه القائدة قدمت تقريراً نوعياً يجسد روح مدن التعلم من خلال مبادرات رائدة، أبرزها مبادرة نور من الحرمين، التي عززت الانتماء الوطني والوعي بدور المدينة الديني والحضاري، وربطت الطالبات برسالة المكان وقدسيته، في سياق تربوي يعمق الهوية ويصقل الشخصية.

كما برزت مبادرة (بداية حرف)، وهي مبادرة تعليمية مجتمعية تُنفذ في المدارس خلال الفترة المسائية، وتهدف إلى تمكين غير السعوديين من الأميين من مهارات القراءة والكتابة الأساسية، مع التركيز على القراءة الوظيفية المرتبطة بالحياة اليومية، بما يعزز جودة حياتهم.

هذه المبادرة التي تنفذ بالشراكة مع الكوادر التعليمية والمتطوعين والجمعيات، تمثل تطبيقاً عملياً لفلسفة مدن التعلم، حيث تتحول المدرسة إلى مركز إشعاع معرفي يخدم الفرد والأسرة والمجتمع، ويسهم في بناء مجتمع متعلم متماسك.

ويمتد الأثر إلى خدمة ضيوف الرحمن، حيث خاضت طالبات المدرسة تجربة ميدانية رائدة في الإرشاد السياحي في المدينة المنورة، بحضور ومشاركة معالي وزير السياحة، في مشهد يعكس تكامل الجهود بين التعليم والسياحة والثقافة. هذه التجربة لم تكن نشاطاً عابراً، بل كانت تدريباً عملياً على مهارات التواصل، والاعتزاز بالهوية، وتحمل المسؤولية الوطنية، وأسهمت بوضوح في تعزيز ثقة الطالبات بأنفسهن، وإدراكهن لدورهن في خدمة الوطن وزواره، وهن يتحدثن بأكثر من خمسة عشر لغة من لغات العالم.

إن دعم القيادة الرشيدة – حفظها الله – في هذا العهد الميمون، وفي ظل رؤية وطنية طموحة تؤمن بقدرات أبناء وبنات الوطن وشباب المستقبل، وخاصة طلاب وطالبات التعليم، وحرصها على تمكينهم من أدوات المستقبل، يتجلى في هذه النماذج المضيئة التي تجمع بين جودة التعليم والمسؤولية المجتمعية، وخدمة ضيوف الرحمن، وتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 في بناء مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح.

وهكذا تتحول المدينة المنورة بعراقتها ومكانتها إلى مدينة تتعلم وتُعلم، مدينة تصنع من الحرف بداية، ومن المبادرة مساراً، ومن الطالبة سفيرة معرفة ورسالة.

إنها مدن التعلم حين تتجسد واقعاً في الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنورة، بقيادة سعادة المدير أ. ناصر العبدالكريم، وفريق العمل المتميز في قسم التعليم المستمر – مدن التعلم – بقيادة الأستاذ سلطان النزهة. من هذه الإدارة، وبصوت فريق العمل، نعلن للعالم: هنا يصنع التعليم أثراً ممتداً يتجاوز الصفوف إلى فضاء المجتمع بأسره.

وقفة تأمل مع تقرير نور من الحرمين، لأنني أؤمن بأن من البيان لسحراً، وأن الكلمة لها دورها المعرفي، والحرف هو بداية كل إنجاز حضاري. أسرتني كلمات المحتوى المعرفي بصوت قائدة المدرسة والمضمون العلمي، وقلت لفريق العمل معي لنتعلم معاً كيف يكون توثيق مخرجاتنا التعليمية بلغة عربية واضحة البيان وناقلة لصورة حقيقية مشرفة في الميدان. وقد كتبت يوماً مقالاً بعنوان (اللغة بوابة النجاح) بعد تكريم كان في رحاب مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري في العاصمة الرياض. لغتنا هويتنا ومصدر فخرنا واعتزازنا وبوابتنا للمجد بين الأمم.

وفي المرحلة القادمة نشحذ الهمم لمزيد من توثيق الأثر، وقياس المخرجات، وتعزيز الشراكات من أجل تنمية مستدامة، ليظل تعليم المدينة المنورة في صدارة المشهد الوطني والعالمي. فالمدينة المنورة التي احتضنت الرسالة المحمدية أول مرة قادرة اليوم أن تتقدم العالم برسالة جديدة عنوانها:

التعلم المستدام طريقنا إلى المستقبل… ووطننا يستحق أن يكون في المقدمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى