التحولات الرقمية وأنماط المحتوى القائمة على الإثارة

سعود عبدالكريم سليهم
لم يعد الانتشار في الفضاء الرقمي مرهونًا بالقيمة المعرفية وحدها، بل أصبح في كثير من الأحيان مرتبطًا بسرعة إثارة الجدل وقدرة المحتوى على جذب الانتباه خلال ثوانٍ معدودة. وفي ظل هذا التحول، أعادت المنصات الرقمية تشكيل معايير النجاح، حيث باتت مؤشرات التفاعل الرقمي من إعجابات ومشاهدات ومشاركات تمثل العملة الأساسية للحضور والانتشار.
شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة في طبيعة المحتوى المتداول، فلم تعد مجرد مساحات للتواصل وتبادل المعرفة، بل تحولت إلى بيئة تنافسية يحكمها منطق الخوارزميات. وتعمل أنظمة التوصية الرقمية وفق معايير كمية بحتة، تعزز المحتوى الأعلى تفاعلًا دون تمييز بين التفاعل الإيجابي أو السلبي، مما يفتح المجال لانتشار أنماط تقوم على الإثارة الصادمة أو افتعال الجدل.
وفي سياق ما يُعرف بـ”اقتصاد الانتباه”، أصبح الوقت الذي يقضيه المستخدم أمام الشاشة هو العملة الحقيقية التي تتنافس عليها المنصات. فكل مشاهدة تعني قيمة إعلانية، وكل تفاعل يترجم إلى عائد اقتصادي، وهو ما يدفع بعض صناع المحتوى إلى تبني استراتيجيات تعتمد على تعظيم الإثارة بوصفها نموذجًا ربحيًا، لا مجرد خيار إبداعي.
مؤشرات مقلقة
يمكن رصد عدد من الممارسات المرتبطة بهذه الظاهرة، من أبرزها:
• نشر تفاصيل خاصة تمس الخصوصية الفردية أو الأسرية تحت مظلة “الترند”.
• تبني سلوكيات أو تحديات قد تتعارض مع القيم المجتمعية أو تمس الكرامة الإنسانية.
• افتعال أحداث أو خلافات بهدف خلق حالة من الجدل لتحقيق مكاسب رقمية.
ومع تكرار التعرض للمحتوى الصادم، قد تتراجع حساسية المتلقي تدريجيًا، مما يؤدي إلى نوع من تطبيع الممارسات المثيرة للجدل، بحيث تصبح مألوفة بعد أن كانت مرفوضة.
مسؤولية مشتركة
لا يمكن النظر إلى هذه الظاهرة بمعزل عن دور الجمهور، إذ إن كل مشاهدة أو مشاركة تسهم في تعزيز انتشار المحتوى. فأنظمة التوصية لا تفرق بين دعم واعٍ وانتقاد غاضب، بل تقرأ الأرقام فقط. ومن هنا تتشكل دائرة تغذية ذاتية، يعزز فيها التفاعل المستمر المحتوى ذاته مهما كانت طبيعته.
ويبرز هنا مفهوم المسؤولية المشتركة بين صناع المحتوى والجمهور، حيث لا يقتصر دور الارتقاء بالمشهد الإعلامي على المنتج وحده، بل يشمل أيضًا المتلقي الذي يختار ما يمنحه وقته ودعمه.
الأثر على النشء
تتمثل إحدى أبرز التحديات في الرسائل الضمنية التي قد يتلقاها النشء حول مفهوم النجاح، إذا ما ارتبط الانتشار بالممارسات المثيرة للجدل بدلاً من الجهد والإبداع والمعرفة. وقد يؤدي ذلك إلى إعادة تعريف غير متوازنة لقيمة الإنجاز، بحيث يصبح الجدل أسرع طريق إلى الشهرة.
ويستدعي هذا الواقع دعم مبادرات التربية الإعلامية، وتكثيف برامج التوعية التي تعزز التفكير النقدي، وتمكن الفئات العمرية الصغيرة من قراءة المحتوى قراءة واعية، لا مجرد استهلاك سريع.
نحو بيئة رقمية أكثر اتزانًا
إن تعزيز المحتوى الهادف، ودعم المبادرات النوعية، وتشجيع ثقافة الانتقاء الواعي، تمثل أدوات عملية للحفاظ على بيئة رقمية صحية ومتوازنة. كما أن ترسيخ معايير مهنية واضحة يسهم في حماية الذائقة العامة، وصون الخصوصية، وتعزيز جودة المشهد الإعلامي بما ينسجم مع القيم المجتمعية والأطر التنظيمية المعتمدة.
فالمسألة لم تعد تتعلق بحرية النشر فحسب، بل بجودة ما نختار دعمه وانتشاره. وفي زمن تتسارع فيه الخوارزميات، يبقى الوعي هو الضامن الحقيقي لاتزان المشهد الرقمي واستدامة أثره.
ويأتي هذا الطرح في إطار قراءة تحليلية لظواهر رقمية عامة دون الإشارة إلى حالات بعينها.



