ملتقى التمكين والابتكار: منصة وطنية لبناء أثر تعليمي مستدام

بقلم : منى يوسف حمدان الغامدي
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات التنموية، لم يعد القطاع غير الربحي التعليمي عنصرًا مكمّلًا في منظومة التنمية، بل أصبح شريكًا فاعلًا في صناعة الأثر وبناء الإنسان، وهو ما يتطلب نماذج جديدة للتمكين، وأدوات مبتكرة للاستدامة، ومنصات حوار قادرة على توحيد الجهود وتوجيهها نحو الأولويات الحقيقية.
ومن هذا المنطلق يأتي ملتقى التمكين والابتكار للقطاع غير الربحي التعليمي في نسخته الأولى 2026، الذي نظمته الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنورة، برعاية المشرف العام على الإدارة العامة للمسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي في وزارة التعليم، وسعادة مدير عام التعليم بمنطقة المدينة المنورة، ملتقى بقيادة احترافية في قسم المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي، وفريق عمل متميز عمل بروح جماعية ليكون الملتقى اليوم علامة فارقة في مسار تطوير هذا القطاع الحيوي.
الملتقى لم يكتفِ بطرح الأسئلة التقليدية حول دور المنظمات غير الربحية، بل حلّق بعيدًا في سماء الابتكار والتمكين، ومستوى عميق في التفكير والطرح العلمي الذي لامس جاهزية المنظمات، وكفاءة نماذجها التشغيلية، وقدرتها على الابتكار الاجتماعي، في انسجام واضح مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي جعلت من تنمية رأس المال البشري وتعظيم الأثر الاجتماعي أولوية وطنية.
أحد أبرز التحديات التي واجهت القطاع غير الربحي التعليمي خلال السنوات الماضية تمثلت في تعدد الجهات الداعمة وتشتت الجهود، مما أدى أحيانًا إلى ضعف الأثر رغم وفرة المبادرات. ويأتي هذا الملتقى ليقدم نموذجًا تكامليًا واعيًا، يجمع بين الجهات الحكومية، والمنظمات غير الربحية، والجامعة، والقطاع الخاص، والقطاع الوقفي، في مساحة واحدة للحوار الهادف الذي يحقق الهدف.
هذا الملتقى لا ينطلق من منطق التنظير، بل من قراءة واقعية للتحديات التي تواجه المنظمات التعليمية غير الربحية، وخاصة فيما يتعلق بالاستدامة المالية المستدامة، وتفاوت مستويات الجاهزية المؤسسية، وهي تحديات تتطلب حلولًا تكاملية تتجاوز المبادرات الفردية، وتستند إلى شراكات واعية، وتمكين مؤسسي مبني على تشخيص دقيق وابتكار منهجي.
التمكين المؤسسي بوصفه مدخلًا للتنمية
يعيد الملتقى الاعتبار لمفهوم التمكين المؤسسي باعتباره عملية شمولية تشمل بناء القدرات، وتعزيز الحوكمة، ورفع كفاءة التشغيل، وربط البرامج التعليمية بالأولويات التنموية الفعلية للمنطقة. فالمنظمات غير الربحية، مهما حسنت نواياها، لا يمكن أن تحقق أثرًا مستدامًا دون بنية مؤسسية قوية، ونماذج تشغيل واضحة، وشراكات داعمة تضمن الاستمرارية.
ومن خلال جلساته الحوارية وورش العمل المتخصصة، فتح الملتقى نقاشًا معمقًا حول أفضل الممارسات الوطنية في تمكين المنظمات التعليمية غير الربحية، ودور الجهات الحكومية والوقفية والتمويلية في دعم هذا التمكين، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 التي أكدت على رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي، وتعظيم أثره الاجتماعي.
الابتكار الاجتماعي.. من الفكرة إلى الحل
أحد أهم ما يميز ملتقى التمكين والابتكار هو انتقاله بالحديث عن الابتكار من الإطار النظري إلى التطبيق العملي. فالابتكار الاجتماعي في التعليم لم يعد ترفًا فكريًا، بل ضرورة تفرضها التحولات المتسارعة في احتياجات المجتمع، وتغير أنماط التعلم، وتنامي الفجوات التعليمية.
ويبرز هذا التوجه بوضوح في مختبر التمكين الذي يقدمه الملتقى، حيث يتم تشخيص واقع المنظمات التعليمية غير الربحية، وتحليل تحدياتها، ثم تصميم مسارات تطوير عملية وخطط تمكين قابلة للتنفيذ. وهو نموذج يعكس فهمًا عميقًا لمفهوم الابتكار القائم على الحلول، لا على الشعارات.
من رحاب جامعة الأمير مقرن، وهي الجامعة الوقفية كنموذج نجاح حقيقي، قصة نجاح تستحق أن تُروى في رحاب المدينة النبوية التي تحقق كل يوم إنجازًا وطنيًا متميزًا موثقًا بالأرقام في منظومة عمل احترافي بقيادة سعادة مدير عام التعليم بالمنطقة الأستاذ ناصر العبدالكريم، الذي أكد في كلمته على أن الشراكات تصنع الأثر، ولا يكون فقط في الجانب المالي، بل هناك ما هو الأهم، الاستثمار الحقيقي في العقول والخبرات والكفاءات الوطنية التي يمكن استثمارها في قطاع التعليم. فجانب التشبيك وبناء الشراكات لا يقل أهمية عن المحتوى المعرفي للملتقى، فالمعرض المصاحب وساعات التكامل السريع تشكل بيئة حيوية لربط المنظمات التعليمية بالجهات الداعمة، والقطاع الخاص، والجامعات، والبيوت الاستشارية، بما يفتح آفاقًا جديدة للتعاون وتبادل الخبرات، وتحويل الأفكار إلى مبادرات مشتركة ذات أثر ملموس، في ظل دعم قوي من القيادة الرشيدة في عهد سيدي خادم الحرمين الشريفين، وسمو ولي العهد الأمين عرّاب الرؤية، ومتابعة حثيثة من سمو أمير المنطقة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان، حفظه الله.
إن هذه المقاربة التكاملية تعكس وعيًا متقدمًا بأن التنمية التعليمية لا تتحقق بجهة واحدة، بل بمنظومة متجانسة تتكامل فيها الأدوار وتتوحّد فيها الرؤية.
في لغة الأرقام التي لا تكذب، كما تعلمنا من سمو ولي العهد الأمين الأمير محمد بن سلمان، توقفت كثيرًا عند تقرير منجزات الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنورة في تمكين القطاع غير الربحي التعليمي عبر رحلة هندسة الأثر في إطار العمل المنهجي، وتوضيح لمسار رحلة النجاح الموثق بالشواهد، وفي مبادرات نوعية تقدم لنفع المجتمع عبر قراءة للواقع والدراسات الإجرائية من أجل التأسيس العلمي وتحقيق الإنجاز وجسور التمكين. فكانت الأولويات متمثلة في مجال دعم ذوي الإعاقة عبر رعاية الأندية الثقافية الموسمية، وتجهيز الفصول المتخصصة وفق نوع الإعاقة، وبرامج تدريب وتأهيل للانخراط في سوق العمل، وتأسيس جمعيات أهلية متخصصة بفئات ذوي الإعاقة المختلفة، وتقديم المعينات لذوي الإعاقة. وكذلك في مرحلة رياض الأطفال والحضانات، تم تحقيق أنسنة مقرات رياض الأطفال، وتجهيز مضامير للعب في المقرات القائمة، وتأسيس حضانات الأطفال، وتأسيس جمعيات متخصصة في رياض الأطفال.
وللموهوبين نصيبهم من رعاية الفعاليات السنوية، ورعاية المواهب المتميزة ومشاريعهم من قبل خبراء متخصصين، ورعاية وتجهيز المركز العلمي بالمدينة المنورة، وتأسيس جمعيات تعليمية متخصصة.
وفي مجال التعليم المستمر، دعم لبرامج مدن التعلم لتعزيز التعليم الشامل مدى الحياة، وتأسيس جمعية تعليمية لتعزيز اللغة العربية ومهارات العلوم والرياضيات.
وفي كفاءة الممكن، يتحقق تطوير رأس المال البشري من خلال الشهادات الاحترافية والبرامج التدريبية المتخصصة. وفي مجال التأسيس العلمي، وضع التصور القائم على نتائج الدراسات، وصناعة الشراكات، وتصميم النماذج لحوكمة الممارسات.
فتحقيق الإنجاز وبُنيت جسور التمكين الحقيقي، ونُفذت ورش عمل لتمكين جمعية تعليمية في التخطيط التشغيلي، وتنفيذ الزيارات الميدانية للتمكين من تجهيز المركز العلمي، وتمكين تأسيس فصول لرياض الأطفال، وتكريم المنظمات التعليمية غير الربحية المتميزة في العمل التطوعي، وزيارة وفد الوزارة لمدارس مداك غير الربحية، وتنفيذ اللقاء الأول للمنظمات التعليمية غير الربحية، والمشاركة بأوراق عمل في الملتقيات والمؤتمرات. وكل هذا تم نشره إعلاميًا بطريقة احترافية متميزة بقيادة الأستاذة القديرة وردة الحازمي، التي عرفتها منذ بداية عملنا معًا عن بُعد في تنفيذ برنامج متخصص في تدريب وتأهيل القيادات النسائية في جامعة القصيم، فقد تم اختيارها لتكون مدربة صاحبة الخبرة المتميزة في مجال العمل التطوعي على مستوى المملكة. ثم حظيت بالعمل معها عن بُعد أيضًا في توثيق العمل التطوعي في رحاب المسجد النبوي، وقد تواصلنا معًا عن طريق الدكتورة فاطمة التويجري عام 2023، وكتبت حينها مقالًا عن الدور الذي تقوم به الإدارة العامة للتعليم بمنطقة المدينة المنورة في خدمة ضيوف الرحمن وزائرات المسجد النبوي، وتحقيق مستهدفات الوطن في الوصول لمليون متطوع، وقد تحقق ما هو أكثر من المستهدف. هذه القيادة النسائية التي يُشار لها بالبنان، لا بد أن تُسطّر كلمات الفخر والاعتزاز بنساء الوطن اللاتي أثبتن بالفعل لا بالقول أنهن على قدر المسؤولية لتولي المناصب القيادية. فأنعم وأكرم بنساء الوطن، شقائق الرجال، اللاتي يعملن بصمت وبحرفية لخدمة وطنهن.
هذا الملتقى، بجلساته ومخرجاته، يؤكد أن الاستثمار الحقيقي في التعليم يبدأ بتمكين من يعملون فيه، ويزدهر حين يقترن بالابتكار، ويؤتي ثماره حين يُدار برؤية واضحة وأثر مستدام.
ومن المدينة المنورة، التي تسعى بخطى ثابتة وحثيثة في تحقيق معايير مدن التعلم العالمية، يبعث رسالة مفادها أن القطاع غير الربحي التعليمي قادر على أن يكون شريكًا قياديًا في بناء مستقبل التعليم، وصناعة وبناء إنسان الغد.



