Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

عادات العقل في الطفولة المبكرة استثمار وطني يبدأ من التفكير

منى يوسف حمدان الغامدي

منى يوسف حمدان الغامدي

لم تعد جودة التعليم في العصر الحديث تُقاس بما يحفظه الطفل من معلومات، بل بقدرته على التفكير، واتخاذ القرار، والتعامل الواعي مع المواقف المختلفة. ومن هنا تبرز عادات العقل كأحد المفاهيم التربوية الحديثة التي تشكّل مدخلاً فاعلاً لبناء عقل الطفل منذ سنواته الأولى، وبما ينسجم مع توجهات المملكة العربية السعودية في الاستثمار في الإنسان بوصفه محور التنمية.

عادات العقل هي مجموعة من السلوكيات العقلية الإيجابية، مثل المثابرة، والتفكير قبل التصرف، والإصغاء بتفهم، وطرح الأسئلة، والتعاون، يستخدمها الطفل عندما يواجه تحديًا أو موقفًا جديدًا. وهي لا تُقدّم في الطفولة المبكرة كمفاهيم نظرية، بل كممارسات يومية تنمو من خلال اللعب، والحوار، والتجربة.

وتُعد مرحلة الطفولة المبكرة البيئة الأكثر خصوبة لغرس هذه العادات؛ ففيها تتشكل أنماط التفكير الأولى، وتتكون نظرة الطفل لذاته وللعالم من حوله. فالطفل الذي يتعلم أن الخطأ فرصة للتعلم، وأن المحاولة قيمة، وأن السؤال حق، هو طفل يُبنى على أسس عقلية سليمة تؤهله للتعلم المستمر في المراحل اللاحقة.

وتضطلع معلمة الروضة بدور محوري في ترسيخ عادات العقل، من خلال خلق بيئة تعليمية آمنة ومحفزة على التفكير. فهي التي تحول المواقف اليومية إلى فرص للتأمل والحوار، وتستبدل التلقين بأسئلة مفتوحة، وتُعزّز التفكير بدل الاكتفاء بالإجابات الجاهزة. فالمعلمة الواعية لا تُعلّم الطفل ماذا يفكّر، بل كيف يفكر.

ولا يقل دور الأسرة أهمية عن دور المؤسسة التعليمية، إذ تمثل البيئة الأولى التي تتشكل فيها عادات الطفل وسلوكياته. فعندما تتبنى الأسرة لغة الحوار، وتشجع المحاولة، وتحترم رأي الطفل، فإنها تسهم في تحويل عادات العقل إلى ثقافة حياتية تتجاوز جدران الروضة إلى فضاء المجتمع.

إن نشر ثقافة التفكير في مرحلة الطفولة المبكرة يتناغم بعمق مع رؤية المملكة العربية السعودية 2030، التي أكدت أن بناء الإنسان هو أساس بناء الوطن. فتنمية مهارات التفكير منذ الصغر تسهم في إعداد أجيال قادرة على الإبداع، وحل المشكلات، والتكيف مع المتغيرات المتسارعة، بما يعزز جودة الحياة ويخدم أهداف التنمية المستدامة.

وفي المحصلة، فإن الاستثمار في عادات العقل ليس برنامجًا تربويًا عابرًا، بل هو خيار استراتيجي طويل الأمد وركيزة أساسية لبناء الإنسان القادر على التفكير، والمبادرة، وصناعة الأثر. فحين نغرس في الطفل عادة التفكير، فإننا لا نبني فردًا واعيًا فحسب، بل نؤسس لمجتمع مفكر، ووطن يستثمر في عقوله منذ البدايات الأولى.

فحين تتكامل أدوار الروضة والأسرة في ترسيخ ثقافة التفكير، فإننا نسهم في إعداد أجيال تمتلك وعيًا معرفيًا وسلوكيًا يواكب تطلعات المستقبل. إنها دعوة مفتوحة لكل من يعمل في ميدان التربية والتعليم، ولكل أسرة، أن تكون شريكًا فاعلًا في هذا الاستثمار الوطني، انسجامًا مع رؤية المملكة 2030 التي تؤمن بأن نهضة الأوطان تبدأ من عقول أبنائها منذ البدايات الأولى.

وسيبقى بناء العقول هو الأهم من بناء المنشآت، والاستثمار في التفكير هو الاستثمار الأكثر استدامة. وعندما نبدأ بغرس عادات العقل في مرحلة الطفولة المبكرة، فإننا نضع الأساس لجيل واعٍ، قادر على التعلم المستمر، وصناعة القرار، والمشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية الوطنية. إنها مسؤولية تشاركية تبدأ من الروضة، وتتكامل مع الأسرة، وتستظل برؤية وطن جعلت الإنسان محور تطوره، ليكون طفل اليوم مفكرًا، ومواطن الغد شريكًا في صناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى