غفران قرملي: أعمال تُرى بالعين وتُحسّ بالقلب

محمد ابوالعلا
ليس كل فن يُولد من الضوء، بعضه يُنسج في الصمت، ويكبر على مهل.
غفران قرملي لا تقدّم أعمالًا تُشاهد فقط، بل تجارب تُحسّ، حيث تتحوّل الخيوط إلى لغة، والحرفة إلى حالة تأمّل. في هذا الحوار نقترب من عالمها، من دون استعجال، لنفهم كيف يُصنع الجمال حين يُحترم الوقت.
1. متى شعرتِ لأول مرة أن الحرفة يمكن أن تكون مسار حياة، لا مجرد هواية؟
منذ صغري وأنا أحب الأعمال الفنية، وكنت أتخيّل نفسي فنانة كبيرة في المستقبل. في سن السابعة تعلّمت حياكة الصوف، وكنت أجلس لساعات أراقب جدّتي وهي تخيط، وكنت منبهرة بالخياطة وتفاصيلها. بعد ذلك بدأت بالرسم، وفي الصف الخامس الابتدائي تعلّمت الكروشيه من صديقاتي في المدرسة.
في المرحلة المتوسطة كانت حصص الفنون والخياطة هي الأجمل بالنسبة لي؛ تعلّمت الغرز وكنت أنفّذها لصديقاتي. أمّا في المرحلة الثانوية، فبدأت أشارك مع أخواتي في البازارات، وكنت أرسم وأبيع أعمالي. لاحقًا أنشأت مشروعًا صغيرًا لخياطة عرائس من القماش.
لذلك، فكرة أن أكون فنانة لم تكن مجرد هواية عابرة، بل حلم رافقني منذ الطفولة وتحول مع الوقت إلى مسار حياة.
2. ماذا تعني لكِ الإبرة والخيط على المستوى الشخصي قبل الفني؟
الإبرة والخيط بالنسبة لي لا يمثّلان أداة فنية فقط، بل هما مساحة للراحة والسكينة. من خلالهما أفرّغ طاقتي وأعبّر عن مشاعري، وأجد نفسي في حالة من السلام الداخلي. الإبرة والخيط يمنحاني شعورًا بالتصالح مع الذات، ويجعلاني أشعر بأن لي دورًا ومعنى في هذه الحياة، وأن إبداعي يمكن أن يكون سببًا في الأثر والامتداد.
3. هل تتعاملين مع كل قطعة كعمل فني مستقل أم كجزء من سردية واحدة؟
كل قطعة بالنسبة لي ككائن حيّ، لها روحها الخاصة وشغفها المستقل. تحمل قصة جميلة تعبّر عنها، وتهمس بعالمها الخاص، حتى وإن اجتمعت مع غيرها لتخلق سردية واحدة من الجمال والحياة.
4. الصبر عنصر أساسي في أعمالك، هل هو مكتسب أم انعكاس لشخصيتك؟
الصبر في أعمالي ليس مجرد صفة، بل هو رفيق الروح، ينبع من كياني ويُصقل مع كل غرزة وخطوة. أن نثق في العملية ونتحلّى بالصبر، فبهما تنشأ القطع الجميلة والنتائج المرضية التي تمنح كل عمل روحًا خاصة وحياة حقيقية.
5. كيف تؤثر حالتك النفسية على النتيجة النهائية لكل عمل؟
بالطبع تؤثر حالتي النفسية على النتيجة النهائية لكل عمل. فكل شعور يمرّ بي يترك أثره في الغرزة وفي الخطوط وفي التفاصيل، فتنعكس مشاعري في القطعة وتجعلها حيّة، تحمل جزءًا مني ومن عالمي الداخلي.
6. هل تسبق الفكرة الخامة أم أن الخامة أحيانًا تقود الفكرة؟
الأمر يختلف أحيانًا؛ أحيانًا أرى خامة فتنساب الأفكار من تلقاء نفسها، فتقودني إلى الإبداع، وأحيانًا تبدأ الفكرة في ذهني وأبحث بعد ذلك عن الخامة التي تمنحها الحياة. بهذا التفاعل بين الفكرة والخامة يولد العمل، حيًّا ومليئًا بالروح.
7. ما الذي تحاولين قوله بصمت من خلال التطريز والنسيج؟
أحاول من خلال التطريز والتفنين أن أوصل فكرتي من منظور مختلف، بلمسة تعكس هويتي وإبداعي. وأسعى إلى دمج التطريز مع الحِرف التي تعلّمتها، ليخرج العمل حاملًا بصمتي بوضوح.
8. كيف ترين الفرق بين الحرفة التقليدية والفن المعاصر في تجربتك؟
بالنسبة لي، الحرفة التقليدية جميلة جدًا لأنها تحافظ على تراثنا وهويتنا، وتربطنا بجذورنا. أمّا الفن المعاصر فهو يحاكي أجيال المستقبل ويطرح أسئلة جديدة عن الهوية والجمال والذاكرة. الأجمل في تجربتي هو الدمج بين التقليدي والمعاصر، حيث أستفيد من تقنيات الحرفة القديمة وأعيد توظيفها بلغة حديثة تعبّر عن الزمن الحالي وتترك أثرًا شخصيًا وفنيًا.
9. هل تشعرين أن جمهورك يفهم العمل كما قصدته، أم كما يراه هو؟
أحيانًا يفهم الجمهور العمل كما قصدته، وأحيانًا يراه من منظوره الخاص. هذا التنوع في التفسيرات جزء من جمال الفن؛ فهو يترك مساحة للتأمّل وللاختلاف، ويمنح كل متلقٍ تجربة فريدة خاصة به.
10. ما أصعب مرحلة تمرّين بها أثناء تنفيذ أي قطعة؟
أصعب مرحلة أثناء تنفيذ أي قطعة بالنسبة لي هي فترة اختيار التصميم والألوان وتركيب العناصر. فهي لحظة حاسمة تتطلّب تركيزًا دقيقًا وحسًا فنيًا قويًا، لأن كل قرار في هذه المرحلة يحدّد شخصية العمل ويعكس البصمة الخاصة به.
11. هل سبق وأن تخلّيتِ عن عمل في منتصفه؟ ولماذا؟
بالطبع، سبق وأن تخلّيت عن بعض الأعمال في منتصف تنفيذها. يحدث ذلك عندما أفقد الشغف أو تصيبني حالة إحباط، أو حين تبرد شرارة الإبداع التي بدأت بها القطعة. أحيانًا يكون الانسحاب جزءًا من العملية الإبداعية نفسها، لأنه يمنحني الفرصة للتركيز على الأعمال التي تحمل روحًا حقيقية وإحساسًا صادقًا.
12. كيف تختارين الألوان، وهل لها دلالات خاصة لديك؟
اختيار الألوان من أصعب مراحل العمل، لأنها تتطلّب تنسيقًا دقيقًا بين العناصر وتأخذ وقتًا وجهدًا كبيرين. أحيانًا أضطر لتغييرها حتى أثناء تنفيذ القطعة. بشكل عام، أميل إلى الألوان المريحة للعين والتي تمنح العمل انسجامًا وجمالًا هادئًا، وفي الوقت نفسه تحمل دلالات خفية تعكس مزاجي وحسّي الفني.
13. إلى أي حد ترين أن الحرفة قادرة على مقاومة الاستهلاك السريع؟
أرى أن الحرفة اليدوية قادرة على مقاومة الاستهلاك السريع إلى حدّ كبير، لأن الحرفة تبقى ملاذًا لمن يبحث عن الأصالة والجمال المستدام، رغم ثقافة الاستهلاك السريع المحيطة بنا.
14. هل ترين نفسك فنانة، حرفية، أم مزيجًا لا يحتاج تصنيفًا؟
أرى نفسي مزيجًا بين الفنانة والحرفية. وفي الوقت نفسه أبحث دائمًا عن التجريب والتعبير الشخصي الذي يميّز الفن المعاصر.
15. ما الذي تعلّمته الحرفة لكِ عن نفسك بعيدًا عن الفن؟
الحرفة علّمتني الصبر والمثابرة، وعلّمتني أن لكل شيء وقته الخاص، وأن الجهد المبذول يترك أثره مهما بدا صغيرًا. من خلال العمل اليدوي تعلّمت أيضًا الانتباه للتفاصيل، واحترام الوقت، وقيمة الإبداع الذي ينبع من القلب. بعيدًا عن الفن، جعلتني الحرفة أكثر وعيًا بذاتي وبالقدرة على تحويل الصعوبات إلى فرص، وجعلتني أقدّر اللحظات البسيطة التي غالبًا ما تمر دون أن نلحظها.
16. كيف أثّرت المنصات الرقمية على علاقتك بجمهورك؟
المنصات الرقمية قرّبتني كثيرًا من الجمهور؛ عرّفتني على أشخاص طيبين وشعرت من خلالها بمحبة الناس ودعمهم. كما أنها ساعدتني على الانتشار والتعريف بأعمالي، خصوصًا في هذا الوقت الذي أصبح فيه من الصعب أن يتعرّف الناس على الفنان دون وجوده على هذه المنصات. بالنسبة لي، كانت وسيلة للتواصل الحقيقي وبناء علاقة مباشرة مع جمهوري.
17. هل تخافين من تكرار نفسك فنيًا؟ وكيف تواجهين ذلك؟
بالطبع أخاف من تكرار نفسي فنيًا، لأن هذا الخوف هو ما يدفعني للمراجعة والتساؤل والتجديد. أتعامل معه كإشارة وعي لا كعائق، فأواجهه بالبحث والتجربة، وبالخروج أحيانًا من منطقة الراحة، مع الحفاظ على بصمتي الخاصة. هذا التوازن بين الخوف والصدق هو ما يساعدني على التطوّر دون أن أفقد هويتي الفنية.
18. ما الحلم الذي لم يتحقق بعد في مسيرتك؟
الحلم الذي لم يتحقق بعد هو أن يرتبط اسمي بأعمالي بشكل واسع، وأن أصبح معروفة بفني على نطاق أوسع، وأن أتمكّن من تعليم ونقل خبرتي للناس في كل مكان. أسعى لأن تصل رؤيتي وبصمتي الفنية إلى أكبر عدد ممكن من الأشخاص، ليصبح فني مصدر إلهام وفائدة.
19. لو لم تختاري هذا الطريق، أين كنتِ ترين نفسك اليوم؟
لا أستطيع أن أتخيّل نفسي أعمل في أي مجال آخر غير المجال الفني والإبداعي. الفن ليس مجرد عمل بالنسبة لي، بل هو جزء من هويتي وطريقة وجودي في العالم، وهو السبيل الذي أعبّر من خلاله عن نفسي وأترك بصمتي.
20. ماذا تقولين لكل من يظن أن الحرفة فن صامت لا يصل للعالم؟ وكيف تجدين تجربتك التي انطلقت من المدينة إلى كوريا، وماذا استفدتِ منها؟
أقول لكل من يظن أن الحرفة فن صامت: الحرفة والفن قادران على نقل الإحساس، ويصل أثرهما من الفنان إلى العالم بكل قوة، حتى وإن لم تُلفظ الكلمات.
أمّا عن تجربتي في كوريا، فقد كانت فرصة رائعة. انتقلنا هناك بسبب عمل زوجي لمدة سنة ونصف، واستغليت هذا الوقت بالكامل لتطوير مهاراتي، حيث حصلت على 12 شهادة في مختلف الحِرف اليدوية. كانت تجربة غنية علّمتني الانضباط، والتجريب، والصبر، والقدرة على التعلّم في بيئات جديدة، كما وسّعت رؤيتي الفنية وأعطتني أدوات جديدة لإثراء أعمالي.
بعض الأعمال لا تحتاج تفسيرًا،
يكفي أن تُترك لتعمل أثرها.
غفران قرملي تنتمي إلى هذا النوع من الفن…
الذي لا يرفع صوته، لكنه يبقى.






