Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
ثقافة وفنون

منى البيتي: حين لا يكون الرسم فنًا… بل لغة للشفاء

محمد منيع ابوزيد

محمد منيع ابوزيد


في السنوات الأخيرة، لم يعد الفن التشكيلي محصورًا في كونه منتجًا بصريًا أو ممارسة جمالية، بل بدأ يُستعاد بوصفه مساحة إنسانية عميقة، تلتقي فيها المشاعر مع اللون، والجسد مع الحركة، والداخل مع الخارج.

منى البيتي تنتمي إلى هذا التيار الهادئ الذي لا يرفع شعار «العلاج» بقدر ما يفتح مساحة آمنة للتجربة.

في رؤيتها، لا يُطلب من الإنسان أن يرسم بشكل جميل، بل أن يرسم بصدق.

وهذا اللقاء لا يسأل: ماذا نرسم؟

بل: ماذا يحدث لنا ونحن نرسم؟

الفن كمساحة لا كمنتج

1. متى بدأ لديكِ هذا التحوّل في النظر إلى الفن، من كونه عملًا بصريًا إلى كونه تجربة داخلية؟

بدأ التحوّل حين لاحظت أن أكثر الأعمال تأثيرًا لم تكن تلك المتقنة بصريًا، بل تلك التي خرجت في لحظات صمت داخلي أو توتر عاطفي. أدركت أن الرسم كان يحدث قبل الفهم، وأن اللوحة كانت مساحة احتواء قبل أن تكون نتيجة.

2. لماذا تعتقدين أن فعل الرسم نفسه أهم أحيانًا من النتيجة النهائية؟

لأن الفعل يُشرك الجسد والمشاعر في اللحظة نفسها. حركة اليد، الضغط، التردد، التكرار… كلها تعبيرات صادقة. النتيجة قد تُعرض، لكن الأثر الحقيقي يبقى في الداخل.

3. كيف يتغيّر إحساس الإنسان بنفسه حين يُسمح له بالرسم دون تقييم أو نقد؟

عندما يرسم الإنسان دون أن يُقاس أو يُقارن، يتغيّر موقعه من الدفاع إلى الحضور. لا يرسم ليُثبت شيئًا، بل ليكون شاهدًا على ما يحدث داخله، وهذا وحده كفيل بتخفيف العبء عنه.

4. هل يمكن للفن أن يكون مفيدًا حتى لو لم “يُتقن” الشخص الرسم؟

نعم، بل في كثير من الأحيان يكون أكثر صدقًا. غياب الإتقان يحرّر التعبير، ويخفف الضغط المرتبط بالصورة المثالية.

العملية قبل الجمال

5. في تجربتك، ماذا تقول حركة اليد واختيار اللون عن الإنسان؟

أثناء الرسم، تتحرك اليد وفق ما يشعر به الإنسان، لا وفق ما يفكّر به فقط.

فإذا كان متوترًا بدت الحركة حادّة، وإذا كان هادئًا جاءت الخطوط أكثر ليونة.

هكذا يتحوّل الرسم إلى وسيلة صادقة للتعبير عمّا في الداخل.

كما تعبّر اليد عن الشعور من خلال الحركة، يعبّر اللون عن الحالة الداخلية من خلال حضوره.

فالإنسان لا يختار اللون دائمًا بدافع الجمال، بل بدافع ما يشعر به في تلك اللحظة.

أحيانًا يظهر لون قوي حين يكون الشعور مكثفًا، وأحيانًا تميل الألوان إلى الهدوء حين يحتاج الداخل إلى سكينة.

6. كيف يتفاعل الجسد مع عملية الرسم، بعيدًا عن العقل والتحليل؟

يتغيّر الإيقاع الداخلي. يهدأ التنفّس، تسترخي العضلات، ويشعر الجسد بشيء من الأمان. كأن الرسم يعيد الإنسان إلى جسده بعد طول انشغال ذهني.

7. هل لاحظتِ أن بعض المشاعر تظهر أثناء الرسم قبل أن يعيها الشخص؟

كثيرًا. قد تظهر مشاعر حزن أو انزعاج أو حتى ارتياح مفاجئ. هذه ليست عوائق، بل مؤشرات على أن الداخل بدأ يتحرّك.

8. ما الفرق بين الرسم الموجّه، والرسم الحر من حيث الأثر النفسي؟

الرسم الموجّه يعلّم الإنسان كيف يرسم،

أما الرسم الحر فيعلّمه كيف يُصغي لما في داخله.

الداخل الإنساني واللاوعي

9. كيف يعبّر اللاوعي عن نفسه من خلال الرموز والأشكال؟

اللاوعي لا يستخدم اللغة المباشرة، بل الرموز، والتكرار، والمساحات. تظهر أشكال بلا تخطيط، لكنها تحمل أثر تجربة أو ذاكرة.

10. هل ترين أن بعض الرسومات تحكي قصصًا لم تُحكَ بعد بالكلمات؟

نعم، وأحيانًا لا تحتاج هذه القصص إلى تفسير. يكفي أن تُرى وتُحتَرم.

لأن ما يظهر في الرسم لا يأتي دائمًا ليُشرح، بل ليُعاش.

بعض التجارب الإنسانية تكون أعمق من أن تُختصر في معنى أو تحليل، وحين نحاول تفسيرها بسرعة نفقد أثرها الحقيقي.

11. ما الذي يحدث حين يُمنح الإنسان مساحة آمنة للتعبير دون تفسير أو حكم؟

في غياب الحكم والتقييم، يتراجع التوتر الداخلي الذي اعتاد الإنسان أن يحمله معه.

لا يعود منشغلًا بكيف سيُنظر إليه، بل بما يشعر به فعلًا، وهذا التحوّل البسيط يغيّر طبيعة التجربة كلها.

المساحة الآمنة لا تدفع الإنسان للكلام، بل ترفع عنه عبء الصمت القسري.

لا تجبره على التعبير، لكنها تسمح له إن أراد.

في هذه المساحة، تتحرّك اليد بصدق، ويظهر اللون دون تزييف، لأن الداخل لم يعد بحاجة إلى الدفاع عن نفسه.

12. هل الفن التشكيلي يكشف ما نخفيه… أم ما لم ننتبه له بعد؟

في كثير من الأحيان، لا يكشف الفن ما نُخفيه بوعي، بل يكشف ما لم ننتبه له بعد.

فالإنسان لا يعيش دائمًا على اتصال مباشر بما يشعر به.

كثير من الأحاسيس تُؤجَّل، تُهمَل، أو تُدفن تحت إيقاع الحياة اليومي، لا لأنها مرفوضة، بل لأنها لم تجد مساحة آمنة للظهور.

حين يُعطى الإنسان مساحة آمنة للرسم، دون سؤال، دون تفسير، ودون تقييم، لا يخرج ما «أراد» إخفاءه، بل ما كان حاضرًا في داخله دون أن يلتفت إليه.

الفن هنا لا يعمل كأداة كشف قسري، ولا يضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع نفسه، بل يتيح للداخل أن يظهر بطريقته وبإيقاعه الخاص.

ولهذا تكون بعض الرسومات مفاجئة حتى لصاحبها؛ ليس لأنها فضحت سرًا، بل لأنها أظهرت شعورًا.

التشافي لا التشخيص

13. كيف تفرّقين بين “التشافي بالفن” و“العلاج” بالمفهوم الطبي؟

العلاج بالمفهوم الطبي يقوم على التسمية، والتحليل، والتدخل، وهو مسار مهم في سياقه، لكنه يفترض وجود مشكلة محددة وخطة لمعالجتها.

أما التشافي بالفن، فينطلق من فرضية مختلفة تمامًا:

أن الإنسان يحمل في داخله قدرة طبيعية على التنظيم والتوازن، وأن هذه القدرة تظهر حين يُمنح مساحة آمنة لا يُطلب منه فيها أن يفسّر، أو يبرّر، أو يُقيَّم.

14. لماذا تصرين على أن تكون المساحة غير حكمية وغير تعليمية؟

الحكم، حتى لو كان إيجابيًا، يعيد الإنسان إلى موقع الأداء والمراقبة.

والتعليم يضع اتجاهًا مسبقًا لما «يجب» أن يحدث.

بينما ما أبحث عنه هو مساحة لا يُطلب فيها من الإنسان أن يتعلّم شيئًا جديدًا، بل أن يتوقف قليلًا عن محاولات الإصلاح والتفسير.

في هذه المساحة لا نعلّم الإنسان كيف يرسم، ولا نفسّر له ما رسم، بل نسمح للتجربة أن تأخذ وقتها الطبيعي.

وهنا يحدث الأثر الحقيقي: ليس لأن أحدًا تدخّل، بل لأن الداخل وجد أخيرًا مساحة لا يُطالَب فيها بشيء.

15. هل يحتاج الإنسان أن يفهم ما رسمه… أم يكفي أن يعيشه؟

بعض التجارب الإنسانية تحدث قبل اللغة، قبل أن تتحول إلى فكرة أو معنى أو حكاية يمكن سردها.

الرسم في هذه الحالة لا يأتي ليُفهَم، بل ليُفرَّغ،

وليُنقَل من الداخل إلى الخارج دون أن يمرّ عبر العقل التحليلي.

حين نُصرّ على التفسير مباشرة نُعيد التجربة إلى إطار السيطرة،

لكن بعض المشاعر لا تكون جاهزة بعد لأن تُفهم، وإنما فقط لأن تُعاش.

16. متى تشعرين أن الجلسة حققت أثرها الحقيقي؟

حين يخرج الشخص أخفّ، أو أهدأ، أو أكثر وعيًا بذاته، حتى دون تفسير واضح.

لا تقدّم منى البيتي وعودًا جاهزة،

ولا تعطي وصفات للشفاء.

كل ما تفعله أنها تهيّئ مساحة،

وتترك للإنسان أن يلتقي بنفسه على مهل.

ربما لهذا يبدو الفن في تجربتها أقرب إلى الإصغاء منه إلى الرسم،

وأقرب إلى الرحمة منه إلى الجمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى