Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
المقالات

الحديقة السرية: حين نسكن ذاكرتنا قبل أن نسكن العالم

الكاتبة: ندى إبراهيم الجهني

الكاتبة: ندى إبراهيم الجهني

الحديقة السرية ليست مكانًا نزوره متى شئنا، بل مكانًا نسكنه منذ الطفولة. منذ أول وجع لم نفهمه، منذ أول خيبة تعلّمنا أن نبتلعها بصمت، منذ أول مرة قلنا فيها «لا بأس» بينما كنا ننكسر من الداخل. هذه الحديقة لا باب لها ولا سور؛ تنمو فينا دون إذن، تكبر معنا، وتتمدد كلما ظننا أننا تجاوزنا كل شيء.

في داخلها نباتات لا نراها، لكننا نشعر بثقلها في الصدر. نباتات الذاكرة المؤلمة، تلك التي لا تموت لأنها سُقيت بالخوف، وبالخذلان، وبالأسئلة التي لم تجد جوابًا. هي نباتات لا تصرخ ولا تشتكي، لكنها تلتف حول القلب ببطء، تجعل الفرح حذرًا، والطمأنينة مؤقتة، وتجعلنا نحب ونحن نخشى أن نخسر مرة أخرى.

في هذه الحديقة أشجار لم نزرعها بإرادتنا. زرعها غياب مفاجئ، وكلمة قاسية، ووعد لم يكتمل، ومشهد وداع لم نكن مستعدين له. تنمو هذه الأشجار في الظل، وجذورها عميقة لأنها تغذت على الصمت. وكلما حاولنا تجاهلها ازدادت حضورًا، لأن الألم حين لا يُفهم يتحول إلى ذاكرة مزمنة تسكن الجسد قبل العقل. نحن لا نتألم لأن ما حدث كان قاسيًا فقط، بل لأننا حملناه وحدنا طويلًا دون أن نمنحه معنى.

ومع ذلك، الحديقة ليست لعنة كاملة. فيها مساحة خفية لم ننتبه لها من قبل، مساحة يمكننا أن نزرع فيها عن قصد. نعم، الذكريات لا تأتي كلها صدفة؛ بعضها قرار داخلي شجاع. أن نمنح لحظة بسيطة قيمة أكبر، أن ننتبه لضحكة عابرة كأنها حدث مصيري، أن نحتفظ برائحة القهوة في صباح هادئ كأنها وعد بالحياة. أن نكرر فعل الخير حتى يتحول إلى جذور، وأن نكتب ونبكي ونتكلم، لأن التعبير ريّ لا يقل أهمية عن النسيان.

زراعة الذكريات الجميلة لا تعني إنكار الألم، بل تعني ألا نترك الحديقة كلها للأشواك. أن نزرع زهرة صغيرة قرب جرح قديم، أن نسمح للضوء أن يمر ولو بخجل. أن نخلق طقوسًا بسيطة نكررها حتى تصبح مأوى للروح: كلمة نحبها، صلاة نرتاح فيها، موسيقى تعيد ترتيب فوضانا، حضن نطيل البقاء فيه أكثر من اللازم. أفعال صغيرة، لكنها حين تتكرر تتحول إلى نباتات قوية تنافس الوجع على المساحة.

أما الحاضر، فليس لحظة عابرة كما علمونا. الحاضر هو زمن الحديقة، الوقت الوحيد الذي نستطيع فيه أن نختار ماذا نسقي الآن. أي ذكرى نمنحها ماء، وأي شعور نتركه يذبل. الحاضر هو اللحظة التي نقرر فيها أن نقترب من أنفسنا لا أن نهرب منها، أن نجلس في الحديقة دون خوف، أن ننظر للنباتات المؤلمة ونقول: أنا أراك، أنا أفهمك، لكنني لن أتركك تسيطر على كل شيء.

في زمن الحديقة، لا يكون الشفاء قفزة مفاجئة، بل نموًا بطيئًا غير مرئي. أحيانًا لا نشعر بالتغيير إلا بعد زمن، حين نكتشف أن ما كان يؤلمنا لم يعد يخيفنا، وأن ما كان يربكنا أصبح مفهومًا، وأننا صرنا أهدأ دون سبب واضح. هذا هو عمل الحديقة الصامت؛ تعيد تشكيلنا من الداخل دون ضجيج.

نحن لسنا ضحايا ذاكرتنا تمامًا، ولسنا أحرارًا منها تمامًا. نحن حراس حديقة معقدة، مليئة بالنباتات المتناقضة؛ بعضها سام وبعضها شافٍ، بعضها زرعناه، وبعضها فُرض علينا. لكننا نملك في النهاية قرار الرعاية: أن نكون لطفاء مع أنفسنا، أن نمنح الزمن فرصة، وأن نسمح للمعنى أن ينمو في مكان الألم.

وحين نفهم ذلك، ندرك أن الحياة ليست سباقًا ولا اختبارًا، بل حديقة تحتاج صبرًا ووعيًا وحبًا متكررًا. وحين نحبها هكذا، تحبنا بصمت، وتمنحنا في النهاية ثمارًا لم نكن نتوقعها: سلامًا داخليًا لا يصرخ، وطمأنينة لا تحتاج إثباتًا، ونضجًا يجعلنا ننظر للخلف دون انهيار، وننظر للأمام دون خوف.

هذه هي الحديقة السرية.

وهذا هو زمنها.

وهذا نحن، حين نتعلم أخيرًا كيف نعيش داخل أنفسنا… لا ضدها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى